شعرت بالضيق الشديد. عندما شرح لي مسؤول رفيع المستوى في الدبلوماسية الأمريكية الجديدة، في مكتبه بواشنطن، أن الخطر الذي يهدد الديمقراطيات الأوروبية لا ينبع مما كنت أسميه الاستبداد الروسي، بل من داخلها هي نفسها، من رقابتها، ومن إلغاء الانتخابات الرومانية، ومن قمع معارضيها، اعتقدت في البداية أنني أعيش كابوسًا، لكن الحقيقة كانت غير ذلك.
كنت بالفعل في وزارة الخارجية الأمريكية، وقد استُقبلت بصفتي عضوًا منتخبًا في البرلمان الأوروبي، في الطابق السابع، حيث يجلس صانعو القرار. وهذا الوافد الجديد، المقرب من البيت الأبيض، كان قد أخبرني للتو، أمام نحو ستة من معاونيه، أن بوتين أقل خطورة على أوروبا من الأوروبيين أنفسهم. لم أكن أحلم فحسب، بل كان عليّ أن أسمع، من بين أمور أخرى، أن دونالد ترامب يبذل قصارى جهده لعودة السلام إلى أوكرانيا، وأنه من غير المفهوم لماذا تثير كلمة سلام كل هذا الرعب لدى الكثير من الأوروبيين.
لقد كانت هذه التصريحات صادمة للغاية، ليس فقط لمحتواها الجريء والمخالف للسرد التقليدي، بل لأنها صدرت عن مسؤول أمريكي رفيع في قلب المؤسسة الدبلوماسية. إنها تمثل تحولًا جذريًا في الخطاب الدبلوماسي الأمريكي تجاه حلفائها الأوروبيين، وتضع علامات استفهام كبيرة حول مستقبل العلاقات عبر الأطلسي. فلطالما كانت الولايات المتحدة تعتبر نفسها حامية للديمقراطية في العالم، وداعمة قوية للديمقراطيات الأوروبية في مواجهة التهديدات الخارجية، وخاصة من روسيا. أن يأتي هذا التقييم الجديد ليقلب الموازين ويشير بأصابع الاتهام إلى أوروبا نفسها، كان أمرًا لا يمكن استيعابه بسهولة.
إن الإشارة إلى الرقابة وإلغاء الانتخابات الرومانية وقمع المعارضين كأمثلة على الأخطار الداخلية التي تهدد الديمقراطيات الأوروبية، كانت محاولة واضحة لإعادة تعريف التهديدات الجيوسياسية. فبينما يرى الكثيرون في أوروبا أن التدخل الروسي في الشؤون الداخلية للدول، وحملات التضليل، والتهديدات العسكرية، هي التحديات الأساسية، يبدو أن هذه الدبلوماسية الجديدة تفضل التركيز على العيوب الداخلية المزعومة. هذا المنظور يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التصريحات تعكس وجهة نظر شخصية للمسؤول، أم أنها جزء من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل التحالفات وتحديد الأولويات في السياسة الخارجية الأمريكية.
أما الحديث عن جهود دونالد ترامب لإحلال السلام في أوكرانيا، وعن استغراب المسؤول من رفض الأوروبيين لكلمة سلام، فقد كشف عن فجوة عميقة في فهم الأولويات والمخاوف. فبالنسبة للعديد من الأوروبيين، لا يمكن تحقيق السلام على حساب السيادة الأوكرانية أو بتجاهل العدوان الروسي. إن الدعوة إلى السلام يجب أن تكون مصحوبة بضمانات قوية للأمن والاستقرار، وليس مجرد وقف لإطلاق النار يخدم مصالح المعتدي. هذا التباين في الرؤى يبرز التحديات التي تواجه الوحدة الغربية في التعامل مع الأزمات الدولية، ويشير إلى ضرورة حوار أعمق لتجاوز هذه الاختلافات.
لقد أراد هذا الرجل أن يلقنني درسًا أمام لجنة استقبال. وقد ذكرته بأن نائب الرئيس جيه. دي. فانس كان يرغب الآن في حظر المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وهو ما يعكس توجهًا متزايدًا داخل بعض الأوساط الأمريكية نحو التشكيك في الالتزامات التقليدية والتحالفات القائمة، مما يزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي.






