أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "هاريس بول" لصالح صحيفة "الغارديان" قبل الانتخابات مدى غضب الناخبين، وأشار إلى سبب رئيسي يفسر الهزيمة القاسية التي مني بها الجمهوريون: تراجع الدعم بشكل حاد من قبل ناخبي المناطق الريفية، الذين شكلوا سابقاً ركيزة أساسية في قاعدة دونالد ترامب الانتخابية.
وخلال الصيف، أكد 95% من الأمريكيين اعتقادهم بوجود أزمة في القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، لا سيما بسبب الارتفاع الحاد في أسعار البنزين والمواد الغذائية. وبحلول شهر أكتوبر، اعتقد 61% من الناخبين أن البلاد تمر بركود اقتصادي، رغم أنها لم تكن كذلك من الناحية الفنية.
ومن الصعب تجاهل الأثر الذي أحدثه التضخم في هذه الانتخابات؛ إذ عبّر قطاع واسع من الناخبين لعدة أشهر عن استياء عميق مما آلت إليه الأوضاع. حيث أفاد عمال قطع الأشجار في ولاية مين بأن الرسوم الجمركية المفروضة على كندا تضر بقدرات قطاعهم المتضرر أساساً، في حين أن السائقين في تكساس الذين يقطعون رحلات يومية تستغرق ثلاث ساعات للوصول إلى عملهم كانوا ينفقون نحو 400 دولار شهرياً على البنزين. وأكد المزارعون في جميع أنحاء الغرب الأوسط أن أسعار الديزل تفاقم صعوبات موسم زراعي يعاني أصلاً من الجفاف.
وأظهرت البيانات الحديثة أن هذا التحول لم يقتصر على الديمقراطيين والمستقلين، الذين تبنوا رؤية متشائمة للاقتصاد منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، بل امتد أيضاً إلى بعض الجمهوريين.
ففي فبراير، وقبل اندلاع الحرب في إيران مباشرة، قال 49% من الجمهوريين إن الاقتصاد يتحسن، ولكن بحلول أكتوبر، انخفضت هذه النسبة إلى 28% فقط.
وكانت المعاناة شديدة الأثر بشكل خاص على سكان المناطق الريفية، الذين ظلوا لفترة طويلة يُعدون القاعدة الصلبة لترامب.
وكان الرئيس قد استقطب عدداً كبيراً من مؤيديه من خلال تقديم نفسه كرجل أعمال ناجح وشخصية مستقلة عن النظام السياسي في واشنطن. لكن الارتفاع الصاروخي في أسعار البنزين والديزل أصبح نقطة ألم رئيسية في المناطق التي يمثل فيها القيادة لمسافات طويلة جزءاً من الحياة اليومية.
وكان ناخبو المناطق الريفية أكثر عرضة بكثير للتأكيد على أن أسعار الوقود تضر بأوضاعهم المالية وأنهم يعيشون في "وضع البقاء" الاقتصادي، أو أن فاتورة غير متوقعة واحدة قد تودي بهم إلى الإفلاس، وذلك مقارنة بنظرائهم في المدن والضواحي. كما كانوا أكثر ميلاً بقليل إلى القول إن الجمهوريين يواجهون مشكلة أكبر مع الفساد واستغلال المسؤولين المنتخبين لمناصبهم لتحقيق مكاسب مالية شخصية مقارنة بالديمقراطيين.
وفي الشهر الذي سبَق الانتخابات النصفية، ارتفعت نسبة الأمريكيين في الريف الذين قالوا إن الاقتصاد يزداد سوءاً بمقدار 17% منذ تولي ترامب منصبه، مقارنة بزيادة قدرها 5% بين سكان الضواحي و3% بين ناخبي المدن.
ورغم ذلك، وعلى عشية الانتخابات النصفية، حاول ترامب تصدير واقع مختلف يدّعي فيه أن أسعار البنزين تتراجع والأجور ترتفع، وأن التجارة الأمريكية مع الدول الأخرى أصبحت أقوى من أي وقت مضى.
وقال ترامب يوم الاثنين أمام بركة الانعكاس في نصب لينكون التذكاري: "لقد سافرت في جميع أنحاء البلاد، وتحدثت في كل هذه التجمعات التي نظمتها على مدار الأسبوعين والنصف الماضية، وأمريكا مستعدة للانطلاق ومستعدة للتصويت. وأتمنى أن يكونوا مستعدين لفعل الشيء الصحيح".
لكن الواقع الذي يواجهه الأمريكيون كان مختلفاً تماماً، وجاءت استجابتهم متناسبة مع ذلك الواقع؛ حيث خسر الجمهوريون السباقات المحتدمة في ولايات رئيسية من مين إلى تكساس يوم الثلاثاء، وسيتولى الديمقراطيون السيطرة على الكونغرس للسنتين القادمتين.
وتعهد الديمقراطيون بالتركيز على معالجة القضايا التي كانت في صدارة الأولويات الانتخابية: حملة إدارة ترامب الصارمة ضد الهجرة، والفساد في البيت الأبيض، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، والاقتصاد، وتحديداً ارتفاع الأسعار.
وبدأ الجمهوريون للتو في تقييم الدور الذي لعبته الأسعار في نتائج الانتخابات. وصرح جي دي فانس يوم الأربعاء بأن الهزيمة كانت "الثمن المترتب" على حرب إيران، مضيفاً: "أي حوار صادق حول مسارنا المستقبلي يجب أن يبدأ من هذه النقطة".






