ماذا لو لم تكن المسألة ما أراد الجيش التونسي قوله في 21 مايو 2026، بل ما أرادت بعض وسائل الإعلام أن تُنسب إليه؟ بين صحيفة رأي أوروبية ذات أجندة غير خفية ومنصة رقمية تونسية تضخم الأخبار دون تحقق، كادت حقيقة مؤسسية راسخة أن تغرق تحت سردية مصطنعة.
عبد الوهاب بن موسى *

في 21 مايو 2026، كسرت وزارة الدفاع الوطني صمتًا تقليديًا لتذكير، في بيان ذي لهجة حازمة بشكل غير معتاد، بالأسس الجمهورية للجيش التونسي: حياده، رفضه الانخراط في التجاذبات السياسية، والتزامه بقوانين الدولة. هذه حقيقة. وقد أكدتها العديد من وسائل الإعلام التونسية ونشرتها بالكامل. في هذا الصدد، لا يوجد ما يعترض عليه.
لكن المشكلة تكمن في التفسير الذي تلا ذلك. فبيان نادر كهذا يجذب القراءات السريعة والإسقاطات الأيديولوجية.
التحيز الذي لا يفصح عن نفسه
نشرت صحيفة رأي أوروبية، مقربة من تشكيل حكومي قومي تربط بلادها بتونس اتفاقيات هجرة استراتيجية، مقالًا فور صدور البيان، زعمت فيه أن البيان لم يصدر عن وزارة الدفاع كمؤسسة، بل كان مبادرة شخصية من رئيس الأركان رسالة مباشرة موجهة إلى رئيس الدولة. ما هي مصادرها؟
وثائق داخلية: لا شيء. تصريحات يمكن نسبها: لا شيء. ما تقدمه هذه الصحيفة على أنه إشارة سياسية تاريخية ليس، بالمعنى الدقيق للكلمة، سوى فرضية مغلفة كخبر حصري.
وسيلة إعلام لها مصلحة جيوسياسية في قراءتها لبلد ما لا تُستبعد بالضرورة ولكن يجب قراءتها بالمسافة النقدية التي تستحقها أي مصدر ذي مصلحة. هذا ليس ارتيابًا: هذا صحافة.
صفحة رصد إعلامي تونسية، تحظى بمتابعة كبيرة على شبكات التواصل الاجتماعي، أعادت نشر هذا المقال دون رابط، دون مؤلف، دون تاريخ محدد، والأهم من ذلك دون أدنى مقارنة مع المصادر الرسمية التونسية المتاحة. النتيجة: تحولت مقالة رأي أجنبية، في بضع مشاركات، إلى كشف حول الوضع السياسي الداخلي التونسي.
هذا الانزلاق من الفرضية الأجنبية إلى الحقيقة المحلية الثابتة هو بالضبط ما يضعف فضاءنا الإعلامي العام. لقد تعلمنا جماعيًا كيفية تحديد المعلومات المضللة المباشرة. لكننا ما زلنا عرضة للتضليل الناتج عن إغفال المسافة النقدية.
ما يقوله النص القراءات الثلاث المحتملة
لنقرأ البيان كما هو، دون إسقاط ما نود أن يكون عليه. ثلاث قراءات تفرض نفسها، وهي متوافقة جميعًا مع محتواه.
قد يكون الجيش قد حذر قوى المعارضة التي تحاول ربطه بانتقاداتها للسلطة التنفيذية وهذه هي القراءة الحرفية. وقد يكون قد أعاد تأكيد مسافته المؤسسية المتساوية في سياق استقطاب متزايد وهذه هي القراءة المؤسسية. وأخيرًا، قد يكون قد وجه إشارة ضمنية إلى السلطة التنفيذية نفسها وهذه هي القراءة السياسية التي طرحتها الصحيفة الأوروبية.
المسألة ليست في معرفة أي منها صحيح. بل في الاعتراف بأنها تتعايش وأن الصحافة الجادة تعرض هذا التعايش بدلًا من إغلاقه لصالح سردية واحدة.
للتذكير، إليكم ما تسمح به الحقائق: حقيقة البيان الرسمي مؤكدة من قبل عدة مصادر مرجعية؛ طابعه الحازم بشكل غير معتاد له أساس ولا يمكن إنكاره؛ المبادرة الشخصية لرئيس الأركان لا تدعمها أي وثيقة؛ الرسالة التي تستهدف رئيس الجمهورية تظل مجرد تكهنات؛ الحياد التحريري للمصدر الأجنبي يتأثر بتحيز هيكلي واضح؛ دقة المنصة الرقمية التونسية غير كافية بالنظر إلى المعايير الصحفية الأساسية.






