شكل الفوز الكاسح الذي حققه الديمقراطيون في الانتخابات النصفية الأمريكية رفضا شعبيا واسعا لكل من إيلون ماسك وقطاع الذكاء الاصطناعي، حيث أدت موجة الغضب العارمة ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحلفائه من قطاع التكنولوجيا إلى وضع نفوذهم السياسي وتوسعات مراكز البيانات الممولة بالديون تحت دائرة ضوء ورقابة أكثر شدة.
وتلقى السوق المالي الأمريكي ضربة من قطاع التكنولوجيا في التعاملات الإلكترونية التي سبقت الافتتاح الرسمي للجلسة.
وفي ختام حملة انتخابية شهدت مناقشات حادة حول إنشاء مراكز البيانات، يواجه دونالد ترامب نكسة قاسية من الناخبين الأمريكيين الذين منحوا الحزب الديمقراطي السيطرة على غرفتي الكونغرس.
وخسر معسكر الرئيس معاقل رئيسية مثل ولاية تكساس، حيث انتقل مقعدا السيناتور والحاكم إلى مسؤوليين ديمقراطيين يؤيدون فرض مزيد من القيود على مراكز البيانات.
وقد أنفق ماسك رقماً قياسياً بلغ ما لا يقل عن 474 مليون دولار على الانتخابات النصفية، وجه منها 224 مليون دولار، أي ما يقرب من النصف، في ولاية تكساس وحدها، وفقاً لتحليل أجرته شبكة سي إن بي سي لسجلات تمويل الحملات الانتخابية. ورغم هذا الإنفاق الضخم، مُني المرشحان اللذان كان يدعمهما، وهما مرشح مجلس الشيوخ الجمهوري كين باكستون والحاكم غريغ أبوت، بهزيمة نكراء وسط موجة زرقاء ديمقراطية اجتاحت الولاية.
"يجب فرض تعليق مؤقت فوري على مراكز البيانات"، كان هذا من بين التعهدات التي ضمنتها جينا هينوهوسا، المحامية التي هزمت الحاكم المنتهية ولايته غريغ أبوت، في حملتها الانتخابية. وكان أبوت قد أكد في عام 2025 رغبته في جعل تكساس "المركز العصبي لتطوير الذكاء الاصطناعي"، قبل أن يغير موقفه تحت ضغط الاحتجاجات المتزايدة.
كما تطالب هينوهوسا بإنهاء الإعفاءات الضريبية الممنوحة لهذا القطاع، وهو الموقف نفسه الذي يتبناه جيم تالاريكو (جيمس تالاريكو)، الذي انتُخب يوم الثلاثاء سيناتوراً عن ولاية تكساس.
ووصَفَ العديد من المحللين الانتخابات في هذه الولاية الجنوبية المحافظة تاريخياً بأنها كانت رهانًا حاسمًا لمستقبل البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وبفضل طاقتها الوفيرة وتشريعاتها المشجعة، كان من المتوقع أن تستأثر تكساس بحلول عام 2028 بنحو 30% من الطلب الوطني على الطاقة الكهربائية المخصصة للذكاء الاصطناعي، والتي يُنتظر أن تشهد ارتفاعاً كبيراً بحسب حسابات شركة "بلوم إنرجي" (Bloom Energy).
وكانت شركة "ألفابت" (جوجل) قد أعلنت عن بناء عدة مراكز بيانات هناك، بينما قام إيلون ماسك - الذي أنفق ثروات طائلة لدعم المعسكر الجمهوري - بنقل المقرات الرئيسية لشركاته الرائدة "تسلا" و"سبايس إكس" و"إكس" إلى الولاية.
وتعتمد عمليات شركات ماسك بشكل كبير على القرارات الحكومية المحلية المتعلقة بإمدادات الكهرباء والمياه، والتراخيص البيئية، والبنية التحتية، والحوافز الضريبية. وهنا ستتمتع حاكمة ولاية تكساس الديمقراطية المنتخبة حديثاً، جينا هينوخوسا التي خاضت حملتها الانتخابية معارضة للإعانات السخية للشركات ولإيلون ماسك شخصياً، بتأثير كبير وحاسم على تلك القرارات. وعلى الجانب الآخر، لا يزال الجمهوريون يسيطرون على الهيئة التشريعية للولاية، وهو ما من شأن أن يحد من قدرة هينوخوسا على إجراء إصلاح جذري للسياسات العامة للولاية، ومع ذلك، فإن إدارتها الجديدة قد تضع عراقيل أمام خطط التوسع الخاصة بماسك من خلال تبني نهج أكثر صرامة فيما يتعلق بإصدار التراخيص والحوافز التجارية.
وعلّق الملياردير بسخرية خلال الليل عبر منصة "إكس" قائلاً: "تبدو مراكز البيانات الفضائية مثيرة للاهتمام للغاية في الوقت الحالي".
"الحفاظ على مناصبهم"
وتدين وول ستريت بصعودها الصاروخي خلال السنوات الأخيرة للحماس للذكاء الاصطناعي. غير أن السوق المالي الأمريكي يمارس ضغوطاً متزايدة بشأن مسألة ربحية هذه التكنولوجيا المكلفة ويشعر بالقلق من العقبات التي تعترض طريق تطورها.
وفي التعاملات المسبقة لافتتاح السوق، وفي تعاملات ما بعد الظهر، تراجعت أسهم عمالقة التكنولوجيا مايكروسوفت وجوجل وأمازون بنسبة 1% تقريباً، بينما سجلت "سبايس إكس" و"تسلا" تراجعاً بنسبة 5%، وهما الشركتان اللتان طالما ازدهرتا في ظل السياسات الصديقة للأعمال التي تبناها الحاكم أبوت.
وقال جيم بيانكو، المحلل لدى مؤسسة "بيانكو ريسيرش" (Bianco Research)، عبر منصة "إكس": "بالنظر إلى حجم فوز الديمقراطيين والاستفتاءات التي تطالب بتقييد مراكز البيانات - حيث يصوت الناخبون مرشحين وكذلك على إجراءات محلية خلال هذه الانتخابات - فإن السياسيين الذين يرغبون في الحفاظ على مناصبهم سيعملون على مراعاة هذه الرسائل".
وعلى مستوى البلاد، تصدى الناخبون لنفوذ أصحاب المليارات والسلطة المتنامية لشركات التكنولوجيا، من خلال انتخاب شخصيات تنتقد صناعة الذكاء الاصطناعي والمصادقة على قيود جديدة تستهدف مراكز البيانات التي تغذي توسعها السريع.
وفي خطاب الفوز الذي ألقاه، قال السيناتور الديمقراطي المنتخب حديثاً جيمس تالاريكو دون أن يذكر ماسك بالاسم: "يجب علينا إخراج الأموال الكبيرة من السياسة الأمريكية، حتى لا يتمكن أي ملياردير أو صاحب تريليون دولار من شراء انتخاباتنا. يجب علينا إصلاح هذا النظام الاقتصادي المجحف الذي لا يفيد سوى نسبة الـ 1% في القمة".
من جانبه، أشار ج. سي. لينتزينيخ، الزميل الأقدم الزائر في صندوق مارشال الأماني، إلى الإنفاق الهائل لإيلون ماسك في تكساس، مؤكداً في تصريحات لبرنامج "سكووك بوكس يوروب" على قناة سي إن بي سي أن النتائج كانت "بكل وضوح رفضا للجانب المتمثل في إيلون ماسك والذي وجد طريقه إلى دائرة النفوذ المحيطة بدونالد ترامب".
ويتفق الخبراء على أن تداعيات ذلك ستكون أشد على مستوى الولايات، مسلطين الضوء على دور الحكام.
وفي هذا السياق، يذَكّر ستيفن إينز، المحلل لدى "إس بي آي أسيت مانيجمنت" (SPI Asset Management)، بأن الديمقراطية كيشا لانس بوتومز، المنتخبة حديثاً على رأس السلطة التنفيذية في ولاية جورجيا، قد "دعت إلى تجميد مؤقت لبناء مراكز بيانات جديدة على مستوى الولاية، بالإضافة إلى اتخاذ تدابير تضمن تحميل كبار العملاء التكاليف المرتبطة ببنيتهم التحتية".
كما تعتزم إيمي أكتون، المنتخبة حاكمة لولاية أوهايو، فرض قواعد أكثر صرامة هي الأخرى.






