الضجة الدورية حول خط أنابيب غالسي، مشروع خط أنابيب الغاز البحري الجزائري الإيطالي المفترض أن يتجاوز تونس عبر سردينيا، هي السلاح الرئيسي في حرب نفسية تُشن ضد تونس التي تمر بأزمة طاقوية عابرة. تهدف هذه الحرب إلى إقناع الرأي العام التونسي بأن البلاد قابلة للاستبدال ومعرضة لـالعقوبة الطاقوية حتى لو اضطرت إلى العيش في الظلام، وذلك لتوفير ذريعة كافية لأنصار الاستسلام التعاقدي. يهدف هذا التحليل إلى تفكيك سردية الإقصاء هذه بالحقائق، من خلال إثبات أن تونس، على العكس، تمتلك ورقة ضغط ترابطية كبرى للمطالبة بإعادة توازن شامل لشراكاتها. (خريطة: حقول المحروقات الرئيسية في المغرب العربي وخطوط أنابيب الغاز العابرة للبحر الأبيض المتوسط).
إلياس القصري *

1. القيمة الاستراتيجية المضاعفة لخط أنابيب ترانسميد في مواجهة الأزمات العالمية
لم يعد دور تونس كمحور طاقوي إقليميًا فحسب، بل أصبح حيويًا على الصعيد العالمي. وقد ضاعف تقارب ثلاث أزمات جيوسياسية كبرى من القيمة الاستراتيجية للشبكة البرية العابرة لتونس (ترانسميد) بالنسبة للقارة الأوروبية بأكملها:
موجة صدمة الحرب في أوكرانيا: لقد حرم الانقطاع التاريخي والنهائي لإمدادات الغاز الروسي أوروبا من مصدرها الرئيسي للطاقة الأحفورية. وفي هذا السعي المطلق للتنويع، أصبحت شمال إفريقيا، وخاصة محور الجزائر-تونس-إيطاليا، البديل الفوري الأكثر موثوقية لتأمين جنوب أوروبا والقلب الصناعي للاتحاد الأوروبي؛
شلل مضيقي باب المندب وهرمز: لقد أدت التوترات العسكرية في خليج عدن والخليج الفارسي إلى تعريض أمن الطرق البحرية العالمية للخطر بشكل كبير. ويخضع عبور الغاز الطبيعي المسال (LNG) القادم من قطر وموردين آخرين من الخليج عبر ناقلات الغاز لاختناقات دائمة، ولتحويلات بحرية هائلة (عبر رأس الرجاء الصالح)، وارتفاع هائل في تكاليف التأمين؛
ترانسميد كملاذ للإمداد: في مواجهة انعدام الأمن في المضائق ونهاية الغاز الروسي، يبرز ترانسميد كبنية تحتية محصنة جغرافيًا ضد أزمات الشرق الأوسط. يوفر خط الأنابيب البري هذا تدفقًا مستمرًا ومباشرًا وغير متأثر بالحصار البحري، مما يرفع مكانة الأراضي التونسية إلى مصاف ممر أمني مطلق لبقاء أوروبا من الناحية الطاقوية.
2. مركزية ترانسميد في الاقتصاد الجزائري:
يُظهر فحص المؤشرات الاقتصادية الكلية القطاعية اعتماد الجزائر على هذه الشبكة البرية العابرة لتونس، مما يجعل خط أنابيب الغاز إنريكو ماتي (ترانسميد) الرئة المالية الحقيقية لنظام الجزائر:
وزن المحروقات في الإيرادات الجزائرية: تمثل المحروقات 93% إلى 95% من إيرادات التصدير الجزائرية وتغذي ميزانية الدولة الجزائرية بأكثر من 60% عبر الضرائب النفطية؛
حصة ترانسميد في صادرات الغاز الجزائري: وفقًا للموازنات الطاقوية المجمعة، تصدر الجزائر حوالي 52 مليار متر مكعب (bcm) من الغاز الطبيعي سنويًا. ينقل ترانسميد وحده ما بين 22 و 25 مليار متر مكعب مباشرة إلى إيطاليا، أي ما يقرب من 45% إلى 50% من إجمالي صادرات الغاز الجزائرية، وأكثر من 70% من غازها المنقول عبر خطوط الأنابيب؛
القيمة المالية للجزائر: بمتوسط سعر الغاز في السوق الأوروبية (TTF)، يدر التدفق العابر للأراضي التونسية على الجزائر إيرادات مباشرة تقدر بما بين 10 و 12 مليار دولار سنويًا. ومن شأن أي انقطاع أو تخفيض هيكلي لهذا التدفق أن يتسبب في صدمة مالية فورية وغير قابلة للإدارة للسلم الاجتماعي الجزائري الهش بما فيه الكفاية والمهدد بحراك يختمر تحت الرماد.
3. عدم واقعية غالسي من الناحية التقنية ومخاطره الأمنية:
وفقًا للبيانات التقنية المعتمدة من السجلات الرسمية لمرصد الطاقة العالمي (محدثة في يوليو 2024)، فإن مشروع غالسي يمثل استحالة صناعية ومالية على المدى القصير والمتوسط:
عمق سحيق: يفرض المسار البحري (565 كم من الجزء البحري) مد أنابيب على عمق قياسي يبلغ 2885 مترًا تحت سطح البحر الأبيض المتوسط، مما يمثل تعقيدًا هندسيًا استثنائيًا؛






