قال أحمد الياسري، رئيس المركز العربي الأسترالي للدراسات الاستراتيجية، إن خطوة أستراليا بالاعتراف بدولة فلسطين تأتي في إطار ما وصفه بـ الأخلاق السياسية، مؤكدًا أن هذا القرار هو موقف أخلاقي أكثر منه موقف سياسي تقليدي. وأضاف الياسري أن هذا التحرك يعكس تحولاً في الرؤى الغربية تجاه القضية الفلسطينية، حيث بدأت العديد من الدول تدرك ضرورة اتخاذ خطوات عملية لدعم السلام والاستقرار في المنطقة، بعيدًا عن السياسات التقليدية التي لم تحقق تقدمًا ملموسًا على مدار عقود.
وفي حديثه مع الإعلامي كريم حاتم، على قناة القاهرة الإخبارية، أوضح الياسري أن هناك ضغوطًا متصاعدة من تيارات اليسار الليبرالي في بريطانيا وعدد من الدول الغربية، بسبب ما يجري في قطاع غزة، وما وصفه بـ حالة الاستعداء المستمرة التي تمارسها حكومة نتنياهو، والتي بدأت تُقلق صُنّاع القرار في العواصم الغربية. هذه الضغوط لا تقتصر على الأوساط السياسية فحسب، بل تمتد لتشمل الرأي العام والمؤسسات المدنية التي تطالب حكوماتها بمواقف أكثر حزمًا تجاه الانتهاكات المستمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأضاف: بدأت هذه الدول تشعر بأن حكومة نتنياهو لم تعد شريكًا موثوقًا، بل تشكل خطرًا على مصالحها المباشرة، مما دفعها للتحرك سياسيًا ومحاولة وضع حد لهذه الأزمة الممتدة، والتي اتضح أن إسرائيل تستغلها سياسيًا لتحقيق مصالحها الخاصة، دون اعتبار لمصالح المنطقة أو حتى مصالح شركائها الغربيين. وتابع أن هذا الشعور يتزايد مع استمرار العمليات العسكرية في غزة وتفاقم الأزمة الإنسانية، مما يضع الحكومات الغربية في موقف حرج أمام شعوبها والمجتمع الدولي، ويهدد استقرار المنطقة بأسرها.
وأشار الياسري إلى أن الموقف الأسترالي يحمل مزيجًا من البراغماتية والمثالية السياسية، وهو ما ظهر في تصريحات رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، الذي أوضح أن الاعتراف بدولة فلسطين يأتي في إطار دعم حل الدولتين، والتمهيد لوقف إطلاق النار في غزة، وإطلاق سراح المحتجزين. هذا الموقف يعكس رغبة أستراليا في لعب دور بناء في حل الصراع، وتقديم نموذج للتعامل مع القضايا الدولية المعقدة من منظور يجمع بين المبادئ الأخلاقية والمصالح الواقعية، سعيًا لتحقيق سلام عادل ودائم.
وتابع رئيس المركز العربي الأسترالي للدراسات الاستراتيجية حديثه بالقول إن التحرك الأسترالي لم يكن منفردًا، بل جاء في إطار تنسيق مشترك مع بريطانيا وكندا، في إشارة إلى تقاطع موقف الدول الثلاث. هذا التنسيق يشير إلى وجود توجه غربي أوسع نحو إعادة تقييم السياسات تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والبحث عن مقاربات جديدة قد تساهم في كسر الجمود الحالي وتحقيق تقدم نحو السلام، بعيدًا عن الدعم غير المشروط الذي كان سائدًا في السابق.
وأضاف أن الخصوصية الجغرافية والثقافية لأستراليا تجعلها تتفاعل مع التوازنات الدولية بشكل فريد، موضحًا أن أستراليا تتقاطع فيها الثقافة السياسية الغربية مع الجغرافيا الآسيوية، وهو ما يجعلها حريصة على تبنّي مواقف متوازنة تحظى بقبول داخلي وتفهم خارجي. هذه الخصوصية تمنح أستراليا مرونة أكبر في صياغة سياستها الخارجية، وتمكنها من تبني مواقف قد تكون أكثر جرأة من بعض حلفائها التقليديين، مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
واختتم الياسري حديثه بالتأكيد على أن هذه الخطوات، وإن كانت رمزية في بعض جوانبها، إلا أنها تحمل رسائل قوية لإسرائيل والمجتمع الدولي بضرورة الالتزام بالقانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني. وأشار إلى أن تزايد الاعترافات الدولية بدولة فلسطين يمثل ضغطًا متصاعدًا على إسرائيل للقبول بحل الدولتين كسبيل وحيد لتحقيق السلام الدائم والعادل في المنطقة، ويؤكد على أن المجتمع الدولي لن يقبل باستمرار الوضع الراهن الذي يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي.






