تُجبر الهزيمة المدوية التي مني بها الجمهوريون في الانتخابات النصفية التي جرت في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني الحزبَ على مواجهة سؤال محوري من شأنه أن يشكل ملامح سباق الانتخابات التمهيدية لعام 2028: هل يمكن لمرشح الحزب القادم أن يخرج من أحشاء إدارة الرئيس دونالد ترامب، أم أن المشهد يتطلب إعادة بناء الحركة من بين الأنقاض؟ وبدأ قادة في الحزب اتخاذ خطوات مبكرة توحي بنواياهم الخوض في سباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية، مستغلين النتائج الكارثية للانتخابات النصفية للنأي بأنفسهم عن إدارة ترامب.
توبيخ تاريخي ونتائج كاسحة للديمقراطيين
في توبيخ تاريخي للحزب الحاكم عقب الرفض الشعبي الحاسم لسياسات ترامب، سيطر الديمقراطيون على مجلسي النواب والشيوخ، وحققوا الفوز في ولايات كانت تُعد معاقل حمراء تقليدية للجمهوريين مثل تكساس وسوث كارولاينا وكانساس، كما انتزعوا مقاعد في مجلس النواب عبر البلاد كانت قد صوّتت لصالح ترامب بفارق كبير في عام 2024.
وفي ظل هذا التراجع الحاد، كان حاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس، الذي سعى سابقاً للحصول على ترشيح الحزب الجمهوري في عام 2024 دون نجاح، من بين أشد المنتقدين لقيادة الحزب في الأيام الأخيرة. وتفاخر ديسانتيس بأن ولايته كانت المعقل الوحيد للحزب الجمهوري الذي صمد بوجه ما وصفه بـ "التسونامي الأزرق". وقال في تقييمه للنتائج: "لنكن واضحين بشأن ما حدث الليلة الماضية: هذا أقرب إلى حدث كاد يقضي على الجمهوريين في مناطق عديدة من البلاد، وهو ما لم نره ربما منذ 100 عام". كما لم يستبعد ديسانتيس إمكانية الترشح في الاستحقاق الرئاسي المقبل لعام 2028 خلال مقابلة أُجريت معه على شبكة "سي إن إن".
السجال حول تداعيات الحرب على إيران والأوضاع الاقتصادية
وبدأ أبرز المرشحين المحتملين لخلافة ترامب في الانتخابات التمهيدية لعام 2028 النظر إلى ما بعد مرحلة الرئيس الذي انتهت ولايته المقيدة دستورياً، والذي هيمن على المشهد داخل الحزب على مدى عقد كامل. وتناولت التقييمات المتباينة من جانب كبار قادة الحزب أسباب الانهيار المدوّي؛ إذ اعتبر سناتور تكساس تيد كروز أن "الانفصال الاقتصادي" ساهم بدور مهم في الخسائر الجمهورية الواسعة، بينما ركز نائب الرئيس جي دي فانس على ملف الحرب.
وفي منشور صريح على منصة "إكس" في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني، أشار فانس إلى أن ناخبي حركة "جعل أمريكا عظيمة مجدداً" (MAGA) شاركوا بأعداد قوية، لكن العديد ممن صوّتوا لصالح ثنائي ترامب وفانس في 2024 منحوا أصواتهم للديمقراطيين في انتخابات 2026. وحمّل فانس بالدرجة الأولى الحرب على إيران مسؤولية النكسة، وهي الحرب التي دافع عنها ترامب خلال الحملة الانتخابية حتى مع ارتفاع أسعار البنزين بشكل حاد جراء الصراع. وقد عُدّ منشور نائب الرئيس الذي ألقى فيه باللوم في خسائر الانتخابات النصفية على حرب إيران إشارة واضحة إلى طموحاته للوصول إلى المكتب البيضاوي.
وأشار فانس إلى تصريحات أدلى بها ترامب لشبكة "فوكس نيوز" أقر فيها بأن الحرب على إيران كانت "جزءاً" من سبب الانهيار في الانتخابات النصفية، حيث كتب فانس: "السبب في خسارتنا هو الحرب. الرئيس نفسه قال ذلك الليلة الماضية. إذا كنتم ترغبون في المجادلة بأن الأمر كان يستحق التضحية، وأن خسارة مجلس الشيوخ للسنوات الست المقبلة كانت أمراً مقبولاً، فافعلوا ذلك، وجادلوا بأنها كانت تكلفة تستحق الدفع. سواء اتفقتم أم اختلفتم، فهذا على الأقل موقف صادق. لكن الجميع يعلم لماذا خسرنا. وأي نقاش صادق حول المسار الذي يجب أن نسلكه من هنا يجب أن يبدأ من هذه النقطة".
مستقبل فانس والشخصيات المقربة من ترامب
ورغم أن فانس، الذي تولى دوراً قيادياً في المفاوضات الهادفة لإنهاء الحرب، يظل الخلف المحتمل الأكثر بروزاً لترامب، إلا أن تصريحاته أظهرت إدراكه لمدى الثقل السياسي والنكسة التي تشكلها هذه الأزمة لجميع الجمهوريين المتجهين نحو عام 2028. وفي الوقت نفسه، تتزايد المخاوف بشأن فرصه السياسية في بعض أروقة الحزب الجمهوري.
وقال أحد الاستراتيجيين الجمهوريين تعليقاً على المشهد: "إن الخاسر الأكبر ليلة الثلاثاء، بالنظر إلى عام 2028، كان جي دي فانس. لقد تحول النقاش حول 2028 من البحث عمن يستطيع حمل شعلة الترامبية إلى من يستطيع إعادة بناء الحركة من بين الأنقاض".
وليس فانس المرشح المحتمل الوحيد المرتبط بترامب الذي يواجه معضلات جديدة؛ ففي حين أشار رئيس مجلس النواب الأسبق نيوت غينغريتش إلى أن نتائج ليلة الثلاثاء قد تفتح مساراً لوزير الخارجية ماركو روبيو — الذي ألمح سابقاً إلى عدم نيته الترشح — فإن أي شخصية في دائرة ترامب المقربة قد تواجه رياحاً عكسية وضغوطاً متزايدة بسبب ارتباطها الوثيق بالرئيس دونالد ترامب. ويشمل ذلك مسؤولي الإدارة البارزين الذين يُتردد حديث عن طموحاتهم الرئاسية بين الحين والآخر، مثل وزير الدفاع بيت هيغسيث.
وفي هذا السياق، تحدثت شبكة "سيمافور" مع أكثر من نصف درزن من الجمهوريين داخل الإدارة والمقربين منها، والذين بدأوا يشككون في مدى تقبل الناخبين لمرشح يختاره ترامب لخلافته. وقال شخص مقرب من البيت الأبيض تعليقاً على النقاش المحتدم حول عام 2028: "السباق مفتوح على جميع الاحتمالات، لا شك في ذلك".
تساؤلات حول حظوظ الجمهوريين في 2028
في غضون ذلك، يركز آخرون في الحزب على قضية أكثر حساسية: هل حُكم على الجمهوريين بالفشل في عام 2028، لا سيما إذا استمرت الحرب واستمر الناخبون في تحمل تداعياتها الاقتصادية؟ وبصرف النظر عن الصراعات الداخلية المتصاعدة داخل الحزب، تواجه القيادات البارزة في واشنطن تساؤلات حقيقية حول مدى قدرة أي مرشح جمهوري على الفوز في الاستحقاق القادم.
وقال شخص آخر مقرب من البيت الأبيض لـ "سيمافور": "هناك الكثير من الجمهوريين الذين يتمنون بشدة ألا يكون دونالد ترامب هو محور الحديث في عام 2028. لكنهم يعيشون في عالم من الخيال فالواقع يؤكد أن دونالد ترامب سيظل دائماً جزءاً رئيسياً من النقاش داخل الحزب الجمهوري. لكن السؤال الحقيقي المطروح هو: هل يستطيع أي مرشح جمهوري الفوز بالفعل؟".



