واشنطن تفرض أقسى هزيمة انتخابية يتلقاها حزب حاكم منذ نصف قرن إعادة حسابات جذرية على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت يرى فيه محللون سياسيون واقتصاديون أن الولايات المتحدة وإيران تتجهان نحو تجدد الحرب بينهما، على الرغم من تزايد الآمال هذا الأسبوع في أن يؤدي الفوز الحاسم للحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية إلى إنهاء الصراع.
وكان استئناف الحرب مع طهران يبدو أمراً محتوماً قبل أيام قليلة فقط بغض النظر عن نتائج الاقتراع؛ حيث حث دبلوماسيون أمريكيون نظراءهم العرب على الاستعداد لفترة قتال مكثفة وفقاً لما صرح به مسؤولان أمريكيان لصحيفة "تايمز". كما صدرت أوامر للموظفين غير الأساسيين في السلك الدبلوماسي وأجهزة الاستخبارات عبر الشرق الأوسط بالعودة إلى البلاد، في حين ناقش كبار المسؤولين في وزارة الدفاع (البنتاغون) الأهداف الاستراتيجية التي يمكن أن يحققها استئناف الأعمال العدائية بشكل واقعي.
ورغم إصرار ترامب في اليوم التالي للاقتراع على أن حربه ضد طهران كانت تستحق التكلفة السياسية، وأكيد المسؤولين أن شن ضربات جديدة لا يزال احتمالاً قائماً، فإن موقف المعارضة الصريحة من نائبه جي دي فانس الرافض للحرب، إلى جانب التحرك المفاجئ من كلا الحزبين لإقالة وزير الدفاع بيت هيغسيث بسبب إدارته للنزاع، قد يحدان من قدرة ترامب على استئناف القتال قبل استيلاء الديمقراطيين على مقاليد السيطرة في الكونغرس العام المقبل.

ضغوط تشريعية وأزمة قيادة في البنتاغون
يعتزم النائب الجمهوري عن ولاية كينتاكي، توماس ماسي، تقديم لائحة اتهام لعزل هيغسيث الأسبوع المقبل بسبب دوره في الإشراف على المجهود الحربي، وهو إجراء يتوقع أن يحصل على دعم كافٍ من الجمهوريين لإقراره. وفي حين يحافظ ترامب علناً على دعم وزير الدفاع، بدأ في استطلاع آراء مستشاريه والمقربين منه بشأن أداء هيغسيث، وهو تكتيك يتبعه الرئيس عادة قبل الإقدام على الإقالة.
ويواجه هيغسيث تدقيقاً شديداً على خلفية اتهامات بتضليل ترامب بشأن مخاطر الحرب، ولا سيما ما يتعلق بسلامة الملاحة التجارية في مضيق هرمز. كما نظم عملية إقالات مثيرة للجدل في صفوف كبار القادة العسكريين في زمن الحرب، شملت وزير الجيش ورئيس الأركان، وذلك عندما كان القتال في أوج ضراوته.
توازياً مع ذلك، تظل إمدادات الولايات المتحدة من الذخائر الحيوية مصدر قلق رئيسي للبنتاغون بعد ثمانية أشهر من الصراع، حيث سيؤدي استئناف القتال إلى مزيد من استنزاف المخزونات. وصرح مسؤولون دفاعيون لصحيفة "تايمز" بأن الحملة استهلكت بالفعل ذخيرات متعددة لكل هدف لضمان نجاح الضربات، مما أثار تساؤلات داخلية حول كيفية إدارة الحرب تحت قيادة هيغسيث.
تصريحات ترامب والحشد العسكري
في مقابل الانقسامات السياسية، ألقى نائب الرئيس جي دي فانس باللوم علنًا على الحرب في الهزيمة القاسية التي مني بها الجمهوريون، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان لا يزال هناك دعم داخل الإدارة لمواصلة الصراع. غير أن التوترات في الشرق الأوسط لم تخف حدتها، حيث يتواصل الحشد العسكري الأمريكي مع توجه مجموعة ضاربة من حاملات الطائرات هي الثالثة إلى المنطقة.
وصرح الرئيس دونالد ترامب للصحفيين من المكتب البيضاوي يوم الخميس بأنه سيتخذ قرارًا قريبًا بشأن ما إذا كان سيشن هجومًا آخر على إيران، قائلاً: "أفضل عدم تدمير بقية البلاد إن أمكن، ولكن ربما يتعين عليّ فعل ذلك. وستعرفون القرار في وقت قريب جدًا". وأضاف الرئيس: "نحن في جاهزية تامة ومستعدون للتحرك. وإذا كان علينا إنهاء الملف الإيراني، فنحن جاهزون تمامًا لذلك".
وتتوقع مجموعة "رابيدان إنرجي" الاستشارية وجود احتمال بنسبة 80% لاستئناف القتال في ظل تعثر الجهود الدبلوماسية.
تصعيد ميداني وتحذيرات من أسواق النفط
ميدانياً، تعرضت عدة ناقلات نفط لهجمات بالقرب من عُمان منذ الانتخابات النصفية، مما أسفر عن مقتل أحد البحارة وفقًا لوكالات الأمن البحري، كما يواصل الحوثيون في اليمن إطلاق الصواريخ باتجاه المملكة العربية السعودية المجاورة.
وقالت هيليما كروفت، رئيسة استراتيجية السلع العالمية في شركة "آر بي سي كابيتال ماركتس"، في مذكرة للمستثمرين يوم الجمعة: "على مدار الأسبوع، لفت انتباهنا التباين الحاد بين المخاوف المتزايدة من التصعيد في الخليج والتفاؤل المفرط الذي حركته عناوين الأخبار لدى المتعاملين في الأسواق على بُعد آلاف الأميال".
ورغم انخفاض أسعار النفط الخام بأكثر من 16% خلال أيام التداول الخمسة الماضية وسط آمال التهدئة، حذر بوب ماكنالي، رئيس شركة "رابيدان" والمستشار السابق لشؤون الطاقة لدى الرئيس جورج بوش الابن، من أن أسعار النفط ستتجاوز 100 دولار للبرميل مجددًا في حال تجدد القتال. وقد وصل سعر خام برنت القياسي للتداول فوق 97 دولارًا يوم الجمعة، بينما بلغ سعر الخام الأمريكي نحو 90 دولارًا.
وأوضح ماكنالي لبرنامج "سكووك بوكس آسيا" على شبكة "سي إن بي سي": "يتملك الرئيس دونالد ترامب إصرار كجزء من إرثه السياسي، وبأي ثمن تقريبًا، لمنع إيران من الحصول على سلاح نبوي، وإجبارها على التخلي عن قدراتها النواوية. في المقابل، فإن النظام الإيراني غير مستعد للقيام بذلك"، مؤكداً أن ديناميكية التصعيد ستظل قائمة طالما استمر هذا الخلاف الجوهري.
من جانبه، أكد عاموس هوكشتاين، المستشار السابق لشؤون الطاقة لدى الرئيس جو بايدن، لبرنامج "باور لانتش" أن خطر الحرب لا يزال قائمًا بقوة خاصة وأن ترامب لا يواجه أي انتخابات مستقبلية أخرى، مشيراً إلى أن أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات تشهد احتمال ارتفاع حاد نتيجة لذلك.
مواقف طهران ونفوذ الكونغرس القادم
تواصل طهران توجيه التحذيرات لإدارة ترامب؛ إذ ذكر حساب على منصات التواصل الاجتماعي للمرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي أن "مسار انهيار الولايات المتحدة قد تسارع" عقب ظهور نتائج الانتخابات النصفية.
في غضون ذلك، يخطط الديمقراطيون لاستغلال الأغلبية المريحة التي حققوها في كلا مجلسي الكونغرس لإقرار قرار بشأن صلاحيات الحرب يطالب ترامب بإنهاء النزاع. غير أن أعضاء الحزب الديمقراطي لن يؤدوا اليمين الدستورية حتى يناير/كانون الثاني المقبل، كما يمكن لترامب ممارسة حق النقض (الفيتو) ضد أي قرار من هذا القبيل.
وأوضحت كروفت أن وسيلة الضغط الرئيسية التي سيمتلكها الكونغرس هي "سلطة الميزانية"؛ حيث ينتهي تمويل الحكومة في 11 ديسمبر/كانون الأول، وقد تمتد المفاوضات بشأن قرار التمويل المؤقت إلى عام 2027، مما يمنح الديمقراطيين نفوذًا أكبر في المفاوضات عند توليهم السيطرة الفعلية بداية العام المقبل.





