واشنطن - وكالات: نفذت الولايات المتحدة ضربات دفاعية محدودة استهدفت أهدافاً ومواقع إيرانية في جزيرة قشم الواقعة في مضيق هرمز، وذلك عشية الانتخابات النصفية الأمريكية الحاسمة. وجاءت هذه الضربات، التي كانت صحيفة "وول ستريت جورنال" أول من كشف عنها، رداً على استخدام عناصر إيرانية صواريخ أرض-جو وإطلاق الحرس الثوري الإيراني النار ضد أصول وطائرات أمريكية، وفق ما أفاد به مسؤولون أمريكيون لشبكة "سي بي إس" (CBS) ووكالة "فرانس برس".
وذكر التلفزيون الرسمي الإيراني ووكالة الأنباء الرسمية "إرنا" وقوع عدة انفجارات في جزيرة قشم يوم الاثنين. وفي حين لم يعلق الحرس الثوري الإيراني بشكل مباشر على الضربات الأمريكية، أعلن أن قواته تمكنت من إسقاط طائرتي استطلاع أمريكيتين من طراز MQM-170 جنوب الجزيرة، إضافة إلى طائرة مسيرة أمريكية من طراز MQ-9 فوق منطقة شرق مضيق هرمز. وقد اتصلت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بالقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) للحصول على تعليق بشأن التفاصيل.
توقيت حرج وضغوط سياسية على إدارة ترامب
ورغم أن الضربات وصفت بالمحدودة مقارنة بالعودة إلى مواجهات عسكرية شاملة، إلا أنها جاءت بعد أن صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سابقاً بأن واشنطن لن تشن ضربات على إيران قبل اقتراع يوم الثلاثاء. وتُشكل هذه الحرب غير المحبوبة، إلى جانب التأثيرات السلبية الناتجة عنها على أسعار البنزين والقطاعات الاقتصادية الأخرى في الولايات المتحدة، نقطة ضعف رئيسية للجمهوريين الذين يسعون للحفاظ على سيطرتهم على الكونغرس في ظل تراجع أرقام ترامب في استطلاعات الرأي وضغوط داخلية من حزبه لإنهاء النزاع الذي اندلع إثر هجوم أمريكي-إسرائيلي مشترك على إيران في فبراير شباط الماضي.
وكان آخر هجوم أمريكي معلن ضد إيران قد نُفذ في أواخر سبتمبر أيلول الماضي. وتزامناً مع الهجمات الأخيرة، يتواجد آلاف الجنود الأمريكيين في المياه قبالة إيران للحفاظ على حصار بحري يهدف إلى منع ناقلات النفط الإيراني من الوصول إلى الأسواق العالمية، فيما تتجه حاملة طائرات ثالثة وآلاف الجنود الإضافيين إلى منطقة الشرق الأوسط، بينما يقوم الجيش الأمريكي بتوفير الحماية لناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز للحفاظ على تدفق الصادرات من دول الخليج العربية.
تصريحات ترامب وموقف نتنياهو
وفي وقت سابق يوم الاثنين، أكد ترامب للصحفيين أنه "ليس في عجلة من أمره" لتصعيد الضربات العسكرية ضد إيران. وقال في تصريحات لمنفذ الأخبار "أكسيوس": "بطريقة أو بأخرى، سنفعل شيئاً، لكن لا يوجد استعجال. لقد شللناهم مالياً. ليس لديهم مال ولا وقود وشعبهم سئم جداً من ذلك".
كما أشار ترامب، في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز" عشية الانتخابات النصفية، إلى أن الولايات المتحدة "قد تحتاج إلى استهداف جبل بيك آكس" (Pickaxe Mountain)، وهو موقع تحت الأرض مرتبط بالبرنامج النووي الإيراني، مؤكداً أن هذا الأمر "ليس بالأمر الكبير" ويمكن إنجازه "في ساعة واحدة".
ورغم تصاعد التكهنات بشأن احتمال استئناف واشنطن ضربات واسعة النطاق بعد الانتخابات النصفية، أجاب ترامب بـ "لا" رداً على سؤال حول صحة ذلك. لكن وكالة "أسوشيتد برس" نقلت عن مسؤولين إقليميين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دفع ترامب، خلال مكالمة هاتفية في عطلة نهاية الأسبوع، لشن موجة أخرى من الضربات على إيران عقب الانتخابات.
مسار دبلوماسي ورسالة فانس الحساسة
في مقابل التصعيد الميداني، ظهرت مؤشرات على تحركات دبلوماسية؛ حيث أعرب نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس يوم الاثنين عن تفاؤل محدود بإمكانية التوصل إلى اتفاق يمنع ترامب من تنفيذ تهديداته بشن ضربات جديدة بعد الانتخابات.
وكان فانس قد وجه رسالة الأسبوع الماضي إلى مسؤول الأمن القومي الإيراني محسن رضائي. ورغم أن البيت الأبيض قدم تفاصيل شحيحة حول فحواها، أوضح ترامب للصحفيين أن الرسالة ركزت على عرض تقديم المساعدة لإيران في مجالات المستلزمات الطبية وأمور مختلفة.
وألمح فانس يوم الاثنين إلى وجود أسباب تدعو للاعتقاد بإمكانية التوصل إلى تسوية، قائلاً للصحفيين: "أجرينا عدداً من المحادثات الجيدة مع الإيرانيين. في الواقع، تحدثت للتو مع رئيس الولايات المتحدة قبل نحو ساعة حول هذا الموضوع. إن الرئيس وأنا نشعر بارتياح كبير بشأن آفاق التوصل إلى تسوية تفاوضية محتملة. وسنواصل العمل على ذلك".
الموقف الإيراني وشروط إعادة فتح مضيق هرمز
من جانبها، أعلنت طهران مواقف متوازنة بين الاستعداد العسكري والحلول الدبلوماسية. ففي يوم الثلاثاء، صرح رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف في خطاب متلفز بأن "الكرة الآن في ملعب أمريكا لمنع الحرب"، مضيفاً: "مثلما تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية مستعدة للمعركة وإصبعها على الزناد، فقد قدمت أيضاً للجانب الأمريكي رداً قوياً وعقلانياً".
كما كشف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لوكالة "إرنا" يوم الاثنين عن إجراء محادثات "مكثفة للغاية" لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة عبر وسطاء من قطر وباكستان. وأكد عراقجي أن إيران مستعدة للسيناريوهات الدبلوماسية والعسكرية "أكثر من أي وقت مضى"، مشدداً على أن الأمر متروك للولايات المتحدة للاختيار بين "مسار حكيم" للمفاوضات أو "خطأ العدوان العسكري".
وكان المفاوضون الإيرانيون قد بحثوا الأسبوع الماضي مع الوسطاء اقتراحاً لإعادة فتح مضيق هرمز -الذي تمر عبره عادة خُمس شحنات النفط والغاز العالمية- في غضون يومين بمجرد أن تفي الولايات المتحدة بشروطها السبعة، والتي تشمل رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
يُذكر أن مضيق هرمز أُغلق فعلياً بعد بدء الحرب الإيرانية بسبب الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية على السفن التجارية والحصار البحري الأمريكي. ورغم توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق مبدئي لإنهاء الحرب وإعادة فتح المضيق في يونيو حزيران، إلا أنه انهار في غضون أسابيع بعد استئناف الهجمات الإيرانية على الملاحة البحرية وإعادة فرض الحصار الأمريكي. وأصرت طهران على أنها لن تتخلى عن قدر من السيطرة على الممر المائي، وبدأت في استهداف السفن التي تستخدم طريقاً جنوبياً عبر المياه العمانية يتجنب مسارها المفضل عبر المياه الإيرانية.





