نعم، لقد كان تسونامي سياسياً بكل ما تعنيه الكلمة.
في ردة فعل قوية وموجعة خلال الانتخابات النصفية ضد الرئيس دونالد ترامب، استعد الديمقراطيون للفوز والسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ. وفي الفترة التي سبقت هذه الهزيمة التاريخية والتراجع المذل للحزب الجمهوري، حذر خبراء استطلاع الرأي من أن قضايا الفساد في الحكومة قد قفزت إلى صدارة اهتمامات الناخبين، لتأتي في المرتبة الثانية مباشرة بعد الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة. وبعد عقد من الزمن أمضاه ترامب في رسم ملامح السياسة الأمريكية، ها هو يبدأ فصلاً سياسياً جديداً، بينما تظهر على ائتلافه المعهود علامات التصدع، في الوقت الذي يكتسب فيه خصومه موطئ قدم لمواجهته خلال العامين الأخيرين له في السلطة.
واجه الجمهوريون خسائر حتى في الولايات والمعاقل الحمراء التي حسمها ترامب لصالحه بفارق كبير بلغ أضعاف النقاط قبل عامين فقط. وهذا هو التعبير الحقيقي عن التسونامي السياسي، عندما تكون موجة المعارضة عارمة لدرجة تغرق حتى الشواطئ البعيدة.
فلماذا حدث ذلك؟
غير آبهٍ بتحذيرات خبراء استطلاع الرأي، أمضى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم الذي يسبق الانتخابات المحورية في استعراض تجديداته باهظة الثمن في العاصمة، بما في ذلك بركة السباحة العاكسة وقاعة الاحتفالات في البيت الأبيض التي تكلف بناؤها 400 مليون دولار، والتي خطط لتشييدها بعد هدم الجناح الشرقي التاريخي بالكامل.
وجاء ذلك بعد أسابيع من الخطابات الانتخابية الغريبة والمتعرجة، التي تباهى خلالها الرئيس بـ "الثروة الطائلة" التي تجنيها صناعة النفط من الحرب ضد إيران، وأطلق نكاتاً مفادها أن الشيكات التي وعد بتقديمها للناخبين بقيمة خمسة آلاف دولار لن تكفي لشراء شطيرة برغر واحدة في منتجعه بفلوريدا.
ويمكن القول إن هذا الأداء بدا محيراً للغاية من رئيس قدم نفسه يوماً كشخصية من خارج المؤسسة الحاكمة تتحدى establishment واشنطن، بينما تضاعفت ثروته الشخصية بأكثر من ثلاثة أمثالها منذ بداية ولايته الرئاسية الثانية. وفي هذا السياق، قال دوغلاس هيه، المدير السابق للاتصالات في اللجنة الوطنية الجمهورية، إن الرسائل السياسية لترامب كانت "منفصلة تماماً عن الواقع لشخص يُفترض عادةً أنه سياسي شعبوي محنك". وأضاف هيه: "يسترسل ترامب باستمرار في موضوعات غريبة لا تمس حياة الناس الواقعية بصلة، أو يتباهى بارتفاع أسعار الوقود والأرباح الهائلة التي تحصدها الشركات. ونتيجة لذلك، يراه العديد من الناخبين متمحوراً حول ما يهمه هو شخصياً، وليس حول ما يهمهم هم".
ناخبون غاضبون ومحتقنون
أكد ثلاثة من كل أربعة ناخبين في استطلاع للرأي مولته شبكة إن بي سي ومؤسسات إخبارية أخرى -إلى جانب مسح أجري بالتعاون مع وكالة أسوشيتد برس وشمل نحو 80 ألف ناخب في جميع ولايات البلاد الـ 50- أنهم غير راضين أو غاضبون من الاتجاه الذي تسلكه الأمور في الولايات المتحدة، وشمل ذلك تقريباً كل ديمقراطي ونحو نصف الجمهوريين تقريباً. واشتكى سبعة من كل عشرة ناخبين من أن الكونغرس لم يبذل الجهد الكافي لكبح جماح سلطات الرئاسة.
والآن، يبدو هذا الوضع في طريقه للتغيير، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه سيقبل انتصارات الحزب الديمقراطي الكاسحة في انتخابات التجديد النصفي، مؤكداً استعداده للعمل مع الأغلبية الديمقراطية الجديدة في الكونغرس. وجاء هذا الموقف في رد فعل تصالحي بشكل ملحوظ بعد ليلة انتخابية صعبة شهدت تراجعاً كبيراً للجمهوريين.
وعلى الرغم من أن الرئيس ترامب كان قد طلب مراراً من الناخبين في الشهور الأخيرة اعتباره "مرشحاً على بطاقة الاقتقال"، إلا أنه ومساعديه عمدوا في وقت متأخر من يوم الثلاثاء إلى تفسير نتائج الانتخابات النصفية بطريقة مغايرة تماماً، محاولين النأي بالإدارة عن تداعيات الهزيمة التي مُني بها الحزب الجمهوري. وفي تصريحات أدلى بها لصحيفة وول ستريت جورنال بينما كان حزبه يواجه هزيمة تاريخية، أقر ترامب بأن استمرار النزاع والحرب في إيران قد أسهم بشكل مباشر في التأثير سلباً على حظوظ حزبه الانتخابية، مما أدى إلى خسارة مقاعد حاسمة في مجلسي النواب والشيوخ لصالح الديمقراطيين، لكنه حرص على التحفظ قائلاً إنه ليس نادماً على بدء النزاع، مضيفاً: "أنا لا أفكر في الأمر. لقد قمت بالشيء الصحيح. كنت سأفعل ذلك مرة أخرى".
وفي السياق ذاته، صرح نائب الرئيس جيه دي فانس يوم الأربعاء بأن الحرب ضد إيران قد قضت على حظوط الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية الأمريكية، والتي يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها توبيخاً ساحقاً لرئاسة دونالد ترامب. وتُشير هذه التصريحات إلى أن نائب الرئيس، الذي كان في يوم من الأيام وجه جهود الإدارة الأمريكية لعقد الصفقات مع طهران، يسعى للنأي بنفسه عن النزاع غير الشعبوي تحسباً لاحتمال خوضه سباق البيت الأبيض في عام 2028. وقال فانس في منشور مطول على منصة إكس: "السبب الحقيقي وراء خسارتنا واضح للجميع تقريباً... السبب وراء خسارتنا هو الحرب. الرئيس بنفسه قال ذلك ليلة أمس. إذا أردت أن تجادل بأن الأمر كان يستحق عناء ذلك، وأن خسارة مجلس الشيوخ للسنوات الست القادمة كانت تستحق الثمن، فافعل ذلك. جادل بأنه كان تكلفة تستحق الدفع. سواء اتفقت أو اختلفنا، فهذا أمر صادق على الأقل". وأضاف فانس، الذي تشير التقارير إلى أنه كان متشككاً بشأن الحرب التي لم تُحسم والتي أطلقها ترامب في فبراير/شباط بالتنسيق مع إسرائيل: "الجميع يعلم سبب خسارتنا. وأي نقاش صادق حول وجهتنا القادمة يجب أن يبدأ من هناك".
وتأتي هذه التطورات لتغير المشهد السياسي الأمريكي بشكل جذري، حيث يواجه البيت الأبيض مرحلة جديدة من تقاسم السلطة والرقابة البرلمانية الصارمة. وعلى مدار العامين الماضيين، اقتصرت أسلحة المعارضة الديمقراطية لترامب إلى حد كبير على الدعاوى القضائية والمناوشات الخطابية. ولكن بعد نتائج الثالث من نوفمبر، أصبح بإمكانهم ممارسة صلاحيات تشريعية للتحقيق في إدارته وتحدي السياسات المتعلقة بكل شيء، بدءاً من الإنفاق على شبكات الأمان الاجتماعي والتعريفات الجمركية العالمية وصولاً إلى خوض الحرب مع إيران.
ونقلت شبكة سي بي إس نيوز عن ترامب قوله أثناء فرز الأصوات: "أمتلك السلطة المطلقة، وتسمى حق الفيتو (النقض)". وتوقع أن يضطر الديمقراطيون في نهاية المطاف إلى التعاون معه، مضيفاً: "تاريخياً، تستخدم حق الفيتو لبضعة أشهر ثم يأتون قائلين: يجب أن نتوصل إلى اتفاق".
ومن جانبه، قال زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز، الذي يتوقع أن يصبح أول رئيس أسود لمجلس النواب، لأنصاره المتحمسين في تجمع ليلة الانتخابات بواشنطن: "لقد عادت أمريكا. ويبدأ اليوم العودة العظيمة لأمريكا".
وكان الديمقراطيون، الذين احتاجوا إلى صافي مكاسب قدره ثلاثة مقاعد للسيطرة على مجلس النواب، يحققون تقدماً كبيراً متجاوزين ذلك الرقم نحو أغلبية صلبة. وفي سباقات مجلس الشيوخ، حيث احتاجوا إلى صافي مكاسب بأربعة مقاعد للفوز بالسلطة، فإن طريقهم نحو الأغلبية مر عبر بعض الولايات الحمراء للغاية، وسط ترقب واسع لطبيعة السياسات التي ستتبناها القيادة الديمقراطية الجديدة في مواجهة أجندة الإدارة خلال ما تبقى من ولاية ترامب.






