خرج مئات الآلاف من العمال والمضربين في مختلف أنحاء فرنسا يوم الخميس في مسيرات حاشدة وحدت فيها عدة مجموعات احتجاجية ونقابية جهودها ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وتخفيضات الإنفاق العام، في تحدٍ جديد للرئيس إيمانويل ماكرون في أعقاب أسابيع من التظاهرات التي قادها الطلاب.
وكانت السلطات الفرنسية قد أعلنت حالة التأهب لمواجهة هذا اليوم الاحتجاجي الشامل، وفقاً لما صرح به وزير الداخلية لوران نونيز، حيث جرى نشر نحو 70 ألف عنصر من الشرطة في جميع أنحاء البلاد للتعامل مع أكثر من 220 احتجاجاً متوقعاً.
وفي الوقت الذي كانت فيه أغلب التجمعات سلمية إلى حد كبير، اندلعت اشتباكات ومواجهات عنيفة في عدة مدن، من بينها باريس وليون ونانت، حيث أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين.
وقالت وزارة الداخلية الفرنسية إن 575 ألف شخص شاركوا في الاحتجاجات على مستوى البلاد، بينها مسيرات شهدت مشاركة أكثر من 700 ألف شخص خارج العاصمة باريس، بينما أفادت الكنفدرالية العامة للشغل (CGT)، إحدى الجهات المنظمة الرئيسية، بأن عدد المشاركين الإجمالي بلغ 1.6 مليون شخص. وأضافت الوزارة أنه تم اعتقال 448 شخصاً على الأقل، فيما أصيب 53 عنصر شرطة بجروح.
ويطالب المضربون برفع الحد الأدنى للأجور، وزيادة رواتب جميع العمال في مختلف القطاعات، وتعديل النظام الضريبي ومراجعة مشروع ميزانية الحكومة، وتحسين الظروف والخدمات في المدارس وإلغاء الاستقطاعات في الإنفاق العام.
ودعت رئيسة ثاني أكبر نقابة عمالية في فرنسا، الكنفدرالية العامة للشغل (CGT)، النقابات والعمال إلى "تعميم الإضراب". وقالت الأمينة العامة للنقابة، سوفي بينيه، للتلفزيون الفرنسي: "نريد أمرين: زيادة الأجور في كل مكان... ومراجعة مشروع ميزانية الحكومة الذي يعتبر بصيغته الحالية كارثياً على البلاد". وأضافت بينيه أمام الحشد في باريس: "المسألة ليست ما إذا كان العمال سينتصرون، بل كم سنحقق من المكاسب".

"المستقبل على المحك"
تشهد فرنسا احتجاجات منتظمة منذ سبتمبر، عندما بدأ الطلاب التظاهر احتجاجاً على تدهور الأوضاع في المدارس العامة ولالمطالبة بإصلاحات في نظام التعليم. ومنذ ذلك الحين، اندمجت حركة الطلاب مع غضب شعبي أوسع نطاقاً بشأن تكاليف المعيشة وسنوات من تخفيضات الإنفاق العام التي أقرتها الحكومات المتعاقبة في عهد ماكرون.
وكانت الاحتجاجات قد تفاقمت سابقاً إلى أسوأ أعمال شغب تشهدها البلاد منذ سنوات في 17 أكتوبر، حين شهدت حوادث عنف وتخريب ونهب اعترفت خلالها الحكومة الفرنسية بأن الشرطة "فقدت السيطرة"، ما دفع السلطات حينها لفرض حظر تجول محلي في عدة مدن لكبح الاضطرابات.
ودعت إلى إضراب الخميس، الذي استمر يوماً واحداً، الحركة الطلابية ونقابات تمثل المعلمين وعمال السكك الحديدية وموظفي المستشفيات والبريد، وانضم إليهم بعض عمال قطاع الطاقة بالإضافة إلى عناصر من حركة "السترات الصفراء" التي قادت الاحتجاجات المناهضة للحكومة على مستوى البلاد بين عامي 2018 و2020. وتأتي هذه الاحتجاجات قبل خمسة أشهر من الانتخابات المقررة لاختيار خلف لماكرون، في وقت يتصدر فيه اليمين المتطرف استطلاعات الرأي.
وأُغلق برج إيفل وقوس النصر طوال اليوم؛ وذكر إشعار نُشر على الموقع الإلكتروني لبرج إيفل أن المعلم الشهير أُغلق بسبب الإضراب. وأفاد مسؤولون بإن الإضراب الشامل أثر على خدمات السكك الحديدية والمدارس والمؤسسات العامة الأخرى، على الرغم من أن حركة النقل لم تتأثر بشكل كلي، حيث شارك نحو 16% من المعلمين في الإضراب وفقاً لوزارة التربية الوطنية. وفي العاصمة، سارعت المتاجر والمؤسسات، بما في ذلك المحال التجارية في جادة الشانزليزيه، إلى حماية واجهاتها ونوافذ عرضها بألواح خشبية تحسباً لأعمال التخريب.

أشخاص يمرون أمام متجر "غراند أوبتيكال" وقد حُميت نوافذ عرضه بألواح خشبية في جادة الشانزليزيه بباريس صباح يوم من الإضرابات الاحتجاجية الشاملة، 5 نوفمبر 2026. [سارة ميسونييه/رويترز]
وفي باريس، سادت أجواء احتفالية في البداية، حيث ردّد جمع من المشاركين النشيد الوطني "لا مارسييز"، بينما طافت شاحنات استعراضية الشوارع عقب انطلاق المسيرة الرئيسية في الساعة الثانية ظهراً بالتوقيت المحلي من ساحة الجمهورية متجهة نحو ساحة الأمة في شرق المدينة، وذلك بعد أن رفض المسؤولون منح التصريح للمتظاهرين بالسير في المسار الذي خططوا له أصلاً من ساحة الباستيل وساحة الكونكورد عبر وسط المدينة.
وكانت مسيرات أخرى قد انطلقت صباح ذلك اليوم في مدن ليون ومارسيليا ونانت وغيرها من المدن.
وفي العاصمة، قال جاك أيسنر، وهو طالب في جامعة العلوم السياسية (سيانس بو)، لشبكة الجزيرة إن الناس يتظاهرون لأنهم يشعرون بأن "مستقبلهم على المحك".
وأضاف: "سواء تعلق الأمر بالأزمة البيئية أو الحرب، فقد أصبح من الصعب جداً العثور على وظيفة والحصول على التعليم. وأعتقد أن الكثير من الشباب يشعرون بنفس الشكوك، وكذلك الكثير من كبار السن مع ارتفاع أسعار السلع والوقود".
اشتباكات في باريس وليون ونانت
وبعد مرور نحو ساعتين على بدء المسيرة في باريس، اشتبك بعض المحتجين في المقدمة مع قوات الشرطة التي أطلقت الغاز المسيل للدموع. وقالت الشرطة إن أفراداً ملثمين قاموا بتخريب الممتلكات، وأن القوات تحركت على الفور لعزلهم.
وانندلعت مشادات إضافية مع اقتراب المسيرة من نهايتها، وأخمدت السلطات حريقاً صغيراً واحداً على الأقل بالقرب من المظاهرة. وأفادت السلطات المحلية بتضرر عدة مدارس ثانوية في منطقة باريس، وإضرام النار في إحداها بوسط المدينة.
وفي ليون، أطلقت شرطة مكافحة الشغب الغاز المسيل للدموع ونفذت عمليات كر وفر ضد مجموعة من المحتجين ارتدى بعضهم ملابس سوداء وغطوا وجوههم وهتفوا بشعارات مناهضة للشرطة. وأوضحت وزارة الداخلية أن عناصر الشرطة هناك واجهوا عدة مئات من محتجي ما يُعرف بـ "الكتلة السوداء" (بلاك بلوك)، وأنه تم إضرام النار في سيارة واحدة على الأقل.
كما شهدت مدينة نانت مواجهات واشتباكات مماثلة استخدمت فيها الشرطة قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.

متظاهر يستعد لركل قنبلة غاز مسيل للدموع خلال تظاهرة في مدينة نانت الفرنسية، 5 نوفمبر 2026. [سيباستيان سالوم-غوميس/أ ف ب عبر جيتي إيماجز]
وأكدت وزارة الداخلية الفرنسية أنه تم احتواء أعمال العنف في مختلف المناطق، رغم استمرار حالة التوتر الشديد في البلاد.






