واشنطن أظهرت توقعات شبكة "إن بي سي نيوز" وشبكة "سي بي إس نيوز"، إلى جانب إعلان وكالة أسوشيتد برس رسمياً عند الساعة 1:02 صباحاً بالتوقيت الشرقي، أن المرشح الديمقراطي تروي جاكسون قد حقق فوزاً بارزاً في انتخابات يوم الأربعاء بمقعد مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية مين، متغلباً على السيناتور الجمهورية الحالية سوزان كولينز. ويأتي هذا الانتصار ليضيف مقعداً جديداً يعزز الأغلبية التي انتزعها حزبه في مجلس الشيوخ خلال الانتخابات النصفية، في انتصار رئيسي للديمقراطيين الذين سعوا لعقود للإطاحة بالسيناتور الجمهورية، مما يضع نقطة النهاية لمساعيها الفاشلة للفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ، بعد أن اعترفت كولينز في وقت سابق بخسارتها أمام جاكسون.
وكانت كولينز تمثل هدفاً رئيسياً للديمقراطيين باعتبارها الجمهورية الوحيدة التي تُمثل ولاية خسرها الرئيس دونالد ترامب قبل عامين -حيث فازت بها كامالا هاريس في عام 2024، في وقت دأبت فيه ولاية مين على دعم مرشحي الرئاسة الديمقراطيين منذ عام 1992 وتخوض كولينز حملتها في وقت يحظى فيه ترامب بشعبية منخفضة للغاية في الولاية- على الرغم من نجاحها في الفوز بإعادة انتخابها لعدة عقود في ولاية مين ذات الميل الديمقراطي.
سعت سوزان كولينز طوال مسيرتها السياسية إلى السير على حبل مشدود في علاقتها مع الرئيس دونالد ترامب. وباعتبارها جمهورية معتدلة في ولاية تميل تاريخياً لدعم الديمقراطيين، غالباً ما وجهت كولينز انتقادات لسياسات الرئيس، مما جعل الكثيرين ينظرون إليها باعتبارها "صوتاً مرجحاً" محتملاً خلال التشريعات المثيرة للجدل، قادراً على ترجيح كفة الميزان في أي من الاتجاهين.
فقد صوتت كولينز لصالح إدانة ترامب في محاكمته البرلمانية الثانية عام 2021، وذلك في أعقاب أحداث الشغب التي شهدها مبنى الكابيتول الأمريكي. كما صوتت ضد حزمة التشريعات الكبرى لترامب والتي تم إقرارها لاحقاً، إضافة إلى معارضتها إلغاء قانون الرعاية الصحية الميسورة، مما ساهم في إنقاذ السياسة الصحية المعروفة شعبياً باسم "أوباما كير". ومع ذلك، فقد ساندت الرئيس في العديد من التصويتات الحاسمة؛ بما في ذلك التصويت لصالح ترشيح بريت كافانو للمحكمة العليا، وتثبيت روبرت كينيدي الابن، المعروف بتشككه في اللقاحات، بمنصب وزير الصحة.
وكان الديمقراطيون في ولاية مين قد اختاروا جاكسون، البالغ من العمر 58 عاماً، مرشحاً لهم في شهر يوليو/تموز الماضي بعد انسحاب غراهام بلاتنر (الفائز في الانتخابات التمهيدية) من السباق إثر اتهامات بالاعتداء الجنسي، وهي الاتهامات التي نفاها بلاتنر بشكل قاطع. وقد واجه جاكسون مهمة صعبة تتمثل في الإطاحة بشخصية سياسية مخضرمة تقضي فترة طويلة في منصبها، في أعقاب موسم انتخابي تمهيدي اتسم بالفوضى وترك الديمقراطيين في حالة من الارتباك وبدون مرشح لفترة وجيزة، ولم يمتلك سوى بضعة أشهر فقط لترسيخ شعبيته الانتخابية بعد أن خسر محاولته الترشح لمنصب حاكم الولاية في وقت سابق من هذا العام. ويُعد جاكسون عامل حطب من الجيل الخامس من شمال ولاية مين ورئيسًا سابقًا لمجلس الشيوخ في ولاية مين، وقد روج لنفسه باعتباره مدافعاً عن الطبقة العاملة.
ورغم أن كولينز، البالغة من العمر 73 عاماً، تتمتع بتاريخ طويل في كسر الصف الحزبي مع الرئيس دونالد ترامب ونجت من رياح سياسية عاكسة في الماضي، ورغم العملية التمهيدية الفوضوية التي خاضها الديمقراطيون، فإن طريق جاكسون نحو النصر ظل محفوفاً بالتحديات في ظل عمل جاكسون وحلفائه باستمرار على ربط كولينز بترامب، الذي لم يسبق له الفوز في ولاية مين، في ظل تراجع نسب تأييده الشعبية.
وفي إحدى المناظرات الانتخابية، صرح جاكسون قائلاً: "تصوت السيناتور كولينز مع ترامب بنسبة 96% من الوقت. طبقة أصحاب المليارات هي التي تدافع عنها وتناضل من أجلها"، بينما شككت كولينز في صحة تلك النسبة.
من جانبها، حرصت كولينز على إبراز دورها الأساسي في جلب التمويل الفيدرالي إلى الولاية بصفتها رئيسة لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ النافذة -التي تشرف على صياغة مشروع قوانين تخصيص الأموال الفيدرالية للولايات والبرامج في جميع أنحاء البلاد- وأكدت أنها استخدمت موقعها لإحداث فرق حقيقي لصالح ولاية مين وسكانها، وشككت في فعالية جاكسون كمشترع. وقالت كولينز في إحدى المناظرات: "لكي تكون فعالاً في مجلس الشيوخ، فأنت بحاجة إلى المعرفة والخبرة والأقدمية والعلاقات"، وأضافت لاحقاً: "لقد أمنت 1.5 مليار دولار لصالح 672 مشروعاً في جميع أنحاء ولاية مين خلال السنوات الخمس الماضية".
إلا أن جاكسون جادل بأن نفوذ كولينز لم يخدم أهالي ولاية مين بالشكل المطلوب، مشيراً إلى أنه كان بإمكانها استغلال نفوذها كصوت مرجح رئيسي لعرقلة بعض سياسات ترامب الرئيسية، مثل الرسوم الجمركية والحرب مع إيران، وسلط الضوء على دعمها لقاضي المحكمة العليا بريت كافانو، وهو الدعم الذي مهّد الطريق أمام المحكمة العليا لإلغاء الحق الفدرالي في الإجهاض في عام 2022.
كما وجه جاكسون انتقادات حادة لكولينز لتصويتها لصالح الدفع بحزمة التخفيضات الضريبية والإنفاق الواسعة التي اقترحها ترامب، والمعروفة باسم "الفاتورة الكبرى والجميلة"، على الرغم من أن كولينز عادت وصوتت ضد التمرير النهائي بسبب الاقتطاعات التي تضمنتها الحزمة في برنامج "ميديكيد".
وأضاف جاكسون خلال مناظرة انتخابية: "الليلة، أخبرتنا السيناتور كولينز بمدى قوتها ونفوذها. لكن القوة لا تساوي شيئاً إذا لم تستخدمها عندما يحتاج إليها سكان ولاية مين".
وسعى جاكسون أيضاً إلى تقديم نفسه كمرشح ينتمي إلى طبقة العمال كونه عامل قطع أخشاب سابقاً، ليصبح أول منافس من مقاطعة مسقط رأس كولينز تحدى سيطرتها. وينحدر كل من كولينز وجاكسون من مقاطعة أروستوك، وهي منطقة نائية تقع في الولاية. وقد حاول الجمهوريون تقويض حملة جاكسون بوصفه سياسياً محترفاً ساهم في رفع الضرائب.
وفي بداية الحملة، حاول الجمهوريون ربط جاكسون بالمرشح السابق بلاتنر، على الرغم من أن جاكسون نفسه هو من طالب بلاتنر بالتنحي عن الترشح فور ظهور اتهامات الاعتداء الجنسي.
ولكن، على خطى بلاتنر، تبنى جاكسون مواقف يسارية واضحة، من بينها تأييد برنامج الرعاية الصحية الشامل "ميديكير للجميع" وإلغاء وكالة إنفاذ قانون الهجرة والجمارك (ICE). وقد خاض الحملة الانتخابية إلى جانب السيناتور اليساري بيرني ساندرز عن ولاية فيرمونت في الأسابيع الأخيرة للسباق.
وعلى الرغم من أن جاكسون يُعتبر سياسياً تقدمياً صلباً في الوقت الراهن، إلا أن مواقفه تطورت بشكل ملحوظ منذ دخوله عالم العمل السياسي قبل أكثر من عقدين من الزمن.
وكان جاكسون قد اتخذ قرار الترشح للمناصب العامة بعد أن ساهم في قيادة احتجاج وإغلاق لطريق العمال على الحدود الشمالية في عام 1998 احتجاجاً على توظيف عمال كدح كنديّين. وفي عام 2000، خاض انتخابات مجلس النواب للولاية مرشحاً جمهورياً دون موفق، قبل أن يفوز بمقعد تشريعي مستقلاً في عام 2002. وفي وقت لاحق، انضم إلى الحزب الديمقراطي واستمر في الخدمة بمجلس شيوخ الولاية، متقلداً منصب رئيس المجلس في الفترة الممتدة من 2018 إلى 2024.
ويُنذر هذا الفوز المتوقع بمشاكل جديّة للجمهوريين وهم يخوضون معركة للحفاظ على أغلبيتهم في مجلس الشيوخ، وذلك بعد أن أدت الحرب غير الشعبية في إيران والارتفاع المستمر في أسعار الوقود إلى توسيع خريطة انتخابية كانت في السابق مواتية للحزب الجمهوري، مما وضع عدداً من الولايات الحمراء في متناول الديمقراطيين.






