الصيغة مقتضبة، وردت بشكل غير متوقع في بيان صحفي صادر عن ماتينيون حول إنشاء مهمة "الدولة الفعالة" الهادفة إلى تحديد سبل التوفير في الميزانية. ومع ذلك، فإنها تدق ناقوس نهاية وعد انتخابي لإيمانويل ماكرون تحول إلى قضية معلقة. فبإقرارها، يوم الجمعة 19 سبتمبر، إلغاء عدة وفود وزارية مشتركة، أعلنت دوائر رئيس الوزراء، سيباستيان ليكورنو، عن اختفاء الوفد العام المكلف بالخدمة الوطنية الشاملة (SNU) اعتبارًا من 1 يناير 2026، موضحة أن ذلك سيتم في سياق إنهاء الخدمة الوطنية الشاملة وإنشاء وشيك للخدمة العسكرية التطوعية.
تُعد هذه الخطوة تحولًا كبيرًا في السياسة الحكومية الفرنسية، حيث كانت الخدمة الوطنية الشاملة (SNU) أحد الوعود الرئيسية للرئيس إيمانويل ماكرون خلال حملته الانتخابية الأولى في عام 2017. كان الهدف من هذه الخدمة، التي أُطلقت بشكل تجريبي في عام 2019، تعزيز التماسك الاجتماعي، وغرس القيم الجمهورية بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عامًا، وتوفير تجربة جماعية تساهم في بناء المواطنة. وقد تضمنت الخدمة مرحلتين رئيسيتين: إقامة إلزامية لمدة أسبوعين في مركز إقامة، تليها مهمة ذات مصلحة عامة لمدة أسبوعين على الأقل.
على الرغم من الطموحات الكبيرة التي صاحبت إطلاقها، واجهت الخدمة الوطنية الشاملة العديد من التحديات والانتقادات منذ بدايتها. كانت التكاليف المالية الباهظة أحد أبرز هذه الانتقادات، حيث قدرت الميزانية السنوية للبرنامج بمئات الملايين من اليوروهات، وهو ما أثار تساؤلات حول جدوى الاستثمار في ظل الضغوط الاقتصادية. كما واجه البرنامج صعوبات لوجستية وتنظيمية، خاصة فيما يتعلق بتوفير أماكن إقامة مناسبة وتأطير كافٍ للآلاف من الشباب المشاركين. بالإضافة إلى ذلك، لم يتمكن البرنامج من تحقيق الإلزامية الكاملة التي كان يطمح إليها ماكرون، وظل يعتمد بشكل كبير على التطوع، مما قلل من تأثيره الشامل.
يأتي قرار التخلي عن الخدمة الوطنية الشاملة في سياق سعي الحكومة الفرنسية لترشيد الإنفاق العام وإيجاد حلول لمواجهة العجز في الميزانية. وقد أشارت الحكومة إلى أن مهمة الدولة الفعالة التي أُنشئت حديثًا تهدف إلى تحديد مجالات يمكن فيها تحقيق وفورات مالية كبيرة. ويبدو أن الخدمة الوطنية الشاملة، نظرًا لتكلفتها العالية وتعقيداتها التشغيلية، كانت من بين البرامج التي رأت الحكومة أنها لم تحقق العائد المرجو منها مقارنة بالاستثمار.
في المقابل، يشير البيان الصحفي إلى الإنشاء الوشيك للخدمة العسكرية التطوعية. هذه المبادرة الجديدة قد تمثل تحولًا نحو نموذج أكثر تركيزًا وربما أقل تكلفة، يهدف إلى جذب الشباب المهتمين بالانخراط في مجالات الدفاع والأمن. يمكن أن توفر الخدمة العسكرية التطوعية فرصًا للتدريب المهني والعسكري، وتساهم في تعزيز الروابط بين الشباب والمؤسسة العسكرية، مع التركيز على الجانب التطوعي الذي قد يجذب فئة معينة من الشباب الباحثين عن تجارب محددة أو مسارات مهنية في هذا القطاع. من المتوقع أن يتم الكشف عن تفاصيل هذه الخدمة الجديدة في الأشهر القادمة، مع تحديد أهدافها وآلياتها التمويلية والتنظيمية.
إن هذا القرار يعكس أيضًا تطورًا في رؤية الحكومة الفرنسية لدور الشباب في المجتمع، والانتقال من نموذج يركز على الإلزامية الشاملة إلى نموذج يعتمد على التطوع والتخصص. وبينما يرى البعض في هذا التغيير تراجعًا عن وعد رئاسي مهم، يرى آخرون أنه خطوة براغماتية تتماشى مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي، وتسمح بتوجيه الموارد نحو برامج أكثر فعالية واستدامة. يبقى أن نرى كيف ستُستقبل الخدمة العسكرية التطوعية الجديدة، وما إذا كانت ستنجح في تحقيق الأهداف التي لم تتمكن الخدمة الوطنية الشاملة من بلوغها.





