ارتفعت أسهم شركات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا بعد موجة بيع ضخمة أدت إلى محو تريليونات الدولارات من قيمتها السوقية.
شهدت الأسواق المالية العالمية حالة من الاضطراب الشديد وسط رهان المستثمرين على تباطؤ محتمل في قطاع الذكاء الاصطناعي عقب نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية. ولا تُعد هذه المرة الأولى التي تشهد فيها أسواق الأسهم تذبذبات خلال الأشهر الأخيرة بسبب المخاوف المتزايدة بشأن وجود فقاعة في قطاع التكنولوجيا، غير أن هذا التراجع يثير التساؤلات عما إذا كان بداية لانهيار أكبر في السوق، رغم أن حجم الخسائر حتى الآن يظل أقل بكثير مقارنة بالانهيارات التي طبعت الأزمات المالية السابقة.
ما الذي حدث؟
هوت الأسهم في بورصة وول ستريت يوم الخميس في موجة بيع اجتاحت أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وامتدت تداعياتها لتشمل الأسواق الآسيوية والأوروبية يوم الجمعة، حيث افتتح مؤشر "ناسداك" المكتظ بأسهم التكنولوجيا على ارتفاع عقب الاضطرابات المالية. وقد تعافت الأسواق الأمريكية جزئياً بعد إعادة فتح التداول في نيويورك، لكنها أخفقت في استعادة كامل خسائرها وسط مخاوف مستمرة من تجدد ضغوط البيع.
وقد تبخر أكثر من 3.2 تريليون دولار من قيمة سوق الأسهم الأمريكية يوم الخميس وحده — وهو ما يتجاوز الناتج السنوي للاقتصاد الكندي — بعد أن هبط مؤشر ناسداك المركب لأسهم التكنولوجيا بنسبة 5.52% ليقترب من منطقة التصحيح مسجلاً تراجعاً بأكثر من 10% مقارنة بمستواه القياسي الذي سجله في شهر أكتوبر، وتراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 (S&P 500) بنسبة 4.36% بينما فقد مؤشر داو جونز الصناعي 3.44% من قيمته، في حين محي نحو 3 تريليونات دولار من القيمة السوقية للشركات المدرجة في مؤشر ستاندرد آند بورز 500. وعلى الرغم من التحذيرات المستمرة على مدار أشهر بشأن تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي، وسط مخاوف من هشاشة الاقتصاد العالمي بسبب الحرب مع إيران والخشية من انفجار فقاعة التكنولوجيا، فإن المحللين ينسبون المحفز الرئيسي لموجة البيع هذه إلى الفوز الكبير الذي حققه الحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية الأمريكية.
لماذا أطلقت الانتخابات النصفية شرارة موجة البيع؟
يتوقع المستثمرون أن يؤدي سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس وتحقيقهم انتصارات في عدة ولايات أصبح فيها تطوير مراكز البيانات قضية انتخابية رئيسية إلى فرض رقابة أشد صرامة على تقنيات الذكاء الاصطناعي وبناء مراكز البيانات، مما قد يؤدي إلى تباطؤ وتيرة النمو في أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي وأرباح الشركات في سوق الأسهم. وكان تحدي نفوذ الأثلياء، وانتقاد وول ستريت وشركات التكنولوجيا الكبرى، من أبرز الشعارات الانتخابية للعديد من المرشحين الديمقراطيين في الانتخابات النصفية. كما كانت مقترحات فرض حظر مؤقت على بناء مراكز البيانات مطروحة للنقاش الفعلي في عدة ولايات وسط تنامي المعارضة العامة لتشييد هذه المنشآت الضخمة الشراهة للطاقة والموارد.
وتسليطاً للضوء على حجم المخاطر، سجل إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركتي سبيس إكس وتسلا، رقماً قياسياً في الإنفاق الانتخابي بعد ضخه نحو نصف مليار دولار لدعم الحزب الجمهوري، فضلاً عن نقل مقر إقامته الشخصي إلى ولاية تكساس التي تُعد الولاية الرائدة في بناء مراكز البيانات. وعقب الانتخابات النصفية، أدى هذا الهبوط إلى تبخر نحو 113 مليار دولار من الثروة الورقية للملياردير إيلون ماسك خلال يومين فقط في ظل انخفاض أسهم شركتي تسلا وسبيس إكس بحسب مؤشر بلومبرغ للمليارديرات، ورغم ذلك احتفظ ماسك مكانته كأغنى شخص في العالم حيث تقدر ثروته الإجمالية بنحو 785 مليار دولار، قبل أن تعاود أسهم شركاته الارتفاع بتفاوت لاحقاً لتسجل مكاسب بأكثر من 6% لسبيس إكس ونحو 5% لتسلا على التوالي.
وكانت الشركات المرتبطة بتطوير الذكاء الاصطناعي، وخاصة مصنعي الشرائح وأشباه الموصلات، قد تعرضت لضربة قوية في أسواق الأسهم يوم الخميس. لكن مؤشر "ناسداك المركب" استقر عند صعود بنسبة 1.7% تقريباً بحلول منتصف النهار يوم الجمعة، متراجعاً عن جزء من هبوطه الحاد. وكان مؤشر "إس آند بي 500" (S&P 500) مرتفعاً بنحو 0.9% بحلول منتصف النهار، وافتتح مؤشر "داو جونز الصناعي" على انخفاض طفيف قبل أن يتحول إلى المنطقة الإيجابية.
وشركة "إنفيديا"، التي فقدت مئات المليارات من قيمتها السوقية يوم الخميس بعد انخفاض أسهمها بنسبة 9%، بدأت يوم الجمعة على ارتفاع بأكثر من 6%، لكنها استقرت على صعود بنسبة 4% تقريباً مع استمرار التداولات، بينما فقدت "برودكوم" 10% من قيمتها وهبط صندوق متداول في البورصة يتبع شركات أشباه الموصلات بنسبة تجاوزت 12%. وانخفضت أسهم مصنعي الشرائح "إيه إم دي" (AMD) و"مايكرون" (Micron) بأكثر من 17% يوم الخميس، لكن أسهم "إيه إم دي" ارتفعت بنحو 12% بينما ارتفعت أسهم "مايكرون" بأكثر من 8% يوم الجمعة.
ألم تكن هناك مخاوف مسبقة بشأن فقاعة الذكاء الاصطناعي؟
تصاعدت المخاوف بشأن وجود فقاعة في قطاع الذكاء الاصطناعي منذ فترة، نظراً للارتفاع الفلكي في تقييمات شركات التكنولوجيا، والتي وصفها بعض المحللين بأنها أصبحت منفصلة بشكل متزايد عن الواقع الاقتصادي. وقد ارتفع أحد أهم مؤشرات قياس تقييم السوق، وهو معدل السعر إلى الأرباح المعدل دورياً، إلى أعلى مستوى له منذ عام 2000، مما دّل على أن السوق المالية الأمريكية كانت تحظى بتقييمات مرتفعة بشكل غير معتاد مقارنة بالأرباح الفعلية.
وفي إشارة واضحة على هذا الانفصال، هوت أسهم شركة ألفابت، الشركة الأم لجوجل، في الأسبوع الماضي بعد إعلانها عن أرباح أقل من المتوقع، مما أدى إلى تبخر أكثر من 500 مليار دولار من قيمتها السوقية. ومع ذلك، كانت هناك مخاوف إضافية بشأن ما إذا كانت المبالغ الضخمة التي تُنفق على الذكاء الاصطناعي ستؤتي أكلها.
وقال راس شو، مؤسس مجموعة المناصرة التكنولوجية العالمية "تيك لندن أدفوكيتس"، إن نتيجة الانتخابات توجه رسالة مفادها أن هناك حاجة لإعادة التفكير في الذكاء الاصطناعي. وصرح لبرنامج "بيزنس توداي" عبر بي بي سي: "إن الكونغرس القادم سيركز بحق على الذكاء الاصطناعي بطريقة دراماتيكية للغاية". وأضاف: "أنا من أشد المعجبين بالذكاء الاصطناعي، لكنني أراقب ما تفعله هذه الشركات، وهي لا تتواصل بشكل فعال على الإطلاق، خاصة في الولايات المتحدة، بشأن فوائد الذكاء الاصطناعي". وأوضح أن الناس يشاهدون الشركات وهي تأتي إلى مجتمعاتهم وتبني مراكز بيانات في الوقت الذي ترتفع فيه تكاليف الطاقة الخاصة بهم، مشيراً إلى أن تلك الشركات "يجب أن تكون جيراناً أفضل".
ورد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإلقاء اللوم على الناخبين الأمريكيين بسبب خياراتهم في الانتخابات، حيث كتب على منصته "تروث سوشال": "سوق الأسهم انهار اليوم لأن الديمقراطيين حققوا يوم ثلاثاء كبير إنه لأمر مؤسف حقاً، ولا تلوموا إلا أنفسكم!". وجدَّد ترامب تأكيده في منشور منفصل عقب موجة البيع على لدعمه بنسبة 100% لما يسمى إدارته "الذكاء الفائق" ومبيناً أنه سيعمل مع الولايات التي ترحب بتطوير هذه التكنولوجيا واصفاً إياها بمنزلة "الذهب"، وقائلاً إن "القيادة الغبية" فقط هي التي "ترفض الثروات التي يجلبها". وأشارت تصريحات ترامب التدخلية إلى أن البيت الأبيض قد يسعى لدعم مشاريع الذكاء الاصطناعي في الولايات التي تظل مرحبة بها، حتى في الوقت الذي يفكر فيه مسؤولون جدد منتخبون في مناطق أخرى بفرض قواعد أشد صرامة على مراكز البيانات.
وفي المقابل، كان أداء أسواق الأسهم في آسيا وأوروبا أسوأ يوم الجمعة؛ حيث أغلق مؤشر "كوسبي" في كوريا الجنوبية على انخفاض بنسبة 6% بعد تراجع أسهم شركة "إس كيه هاينكس" لصناعة الشرائح بأكثر من 10%. كما انخفضت الأسهم الأوروبية، حيث أنهت المؤشرات الرئيسية في ألمانيا وفرنسا وإسبانيا اليوم على تراجع، وانخفض مؤشر "فاينانشال تايمز 100" (FTSE 100) في بورصة لندن بنسبة 1.01%. وفي المملكة المتحدة، كان المتداولون يستوعبون أيضاً أحدث قرار لبنك إنقلتر برفع أسعار الفائدة والاشارة إلى إمكانية رفع آخر لكبح جماح الأسعار.
وقال دان كوتسوورث، رئيس قسم الأسواق في شركة "إيه جيه بيل"، إن الأسبوع كان قاسياً على الأسواق، وأن السؤال الرئيسي هو ما إذا كانت القفزة في مؤشري "إس آند بي 500" و"ناسداك" ستستمر. وأضاف: "بينما لا أحد يعرف ما سيحدث بعد ذلك، فمن الواضح أننا شهدنا للتو تحولاً كبيراً في معنويات السوق. بمجرد أن يحصل المستثمرون على عطلة نهاية الأسبوع لالتقاط أنفاسهم، فقد يعطي الأسبوع المقبل مؤشراً أكثر وضوحاً عما إذا كانت تجارة التكنولوجيا تتجه نحو الانهيار أم التعافي".
وإلى جانب تداعيات الانتخابات النصفية والهبوط في أسهم الذكاء الاصطناعي، يستوعب المتداولون الأمريكيون أيضاً أحدث أرقام الوظائف التي صدرت صباح الجمعة، حيث أضاف أصحاب العمل الأمريكيون 165 ألف وظيفة جديدة في أكتوبر (وفي رواية إحصائية أخرى لسبتمبر)، وهو أعلى بكثير من متوسط الزيادة الشهرية وأكثر من ضعف ما كان يتوقعه المحللون. وبشكل عام، تراجع معدل البطالة قليلاً إلى 4.1% من 4.2% في سبتمبر، مما ساعد في إنعاش أسواق المال في وول ستريت.





