أليست الفخاخ الأكثر كمالاً هي دائمًا تلك التي ننصبها لأنفسنا؟ هذا الاستنتاج لمارك فايتسمان ينطبق على مستوى الأفراد كما ينطبق على مستوى الديمقراطيات، وكلاهما يُلاحظ في كتاب "الجزء المتوحش" (La Part sauvage)، وهو سرد شخصي يتميز بذكاء وكثافة نادرين. الصحفي والكاتب مارك فايتسمان كان قد كتب في عام 2018 كتاب "وقت للكراهية" (Un temps pour har) (غراسيه). فيه، حقق في جذور الهجمات الإرهابية الإسلامية وفي معاداة السامية التي كانت تتصاعد (من جديد) في فرنسا منذ بداية الألفية الثالثة. وقد أشار إلى الإنكار في مواجهة كراهية لن تتوقف عن النمو. كان التوحش أمامه طريق مفتوح، وستدفع الديمقراطيات الثمن؛ وها نحن ذا.
كتاب "الجزء المتوحش"، الذي يُشرح عنوانه حرفيًا في الصفحات الأخيرة وبشكل غير مباشر ومنتشر في جميع أنحاء الكتاب، يتناول العديد من الجوانب العميقة التي تشكل تحديًا للمجتمعات الحديثة. إنه ليس مجرد تحليل سياسي أو اجتماعي، بل هو رحلة فكرية وشخصية يستكشف فيها فايتسمان كيف يمكن للمجتمعات التي تدعي التنوير والتقدم أن تقع فريسة لأكثر غرائزها بدائية وخطورة. يربط الكاتب بين التجارب الفردية والتحولات المجتمعية الكبرى، موضحًا كيف تتشابك مصائرنا الشخصية مع مصير الديمقراطيات التي نعيش فيها.
تكمن إحدى الأفكار المحورية في أن الديمقراطيات، في سعيها لتحقيق التسامح والشمولية، قد تخلق عن غير قصد نقاط ضعف تستغلها قوى الكراهية والتطرف. يشير فايتسمان إلى أن هذا قد يتجلى في التردد في تسمية التهديدات بوضوح، أو في الميل إلى تفسير كل صراع من منظور اللوم الذاتي، أو في الفشل في فرض القيم الأساسية التي تحمي المجتمع من التفكك. هذا الإنكار، الذي وصفه في كتابه السابق، لا يزال يمثل عقبة رئيسية أمام فهم طبيعة التهديد الحقيقي ومواجهته بفعالية. إنها فخاخ نصنعها بأيدينا، حيث نغض الطرف عن العلامات التحذيرية، ونفضل الراحة المؤقتة على المواجهة الصعبة.
إن "الجزء المتوحش" الذي يتحدث عنه فايتسمان ليس مجرد استعارة، بل هو إشارة إلى تلك القوة البدائية، غير العقلانية، التي لا تزال كامنة في النفس البشرية وفي بنية المجتمعات. إنها الغريزة التي تدفع نحو العنف، نحو الكراهية غير المبررة، ونحو تدمير الآخر. يرى فايتسمان أن هذه "الوحشية" تجد طريقها إلى السطح عندما تضعف آليات الدفاع الديمقراطية، وعندما يتآكل الإجماع الاجتماعي حول القيم المشتركة. تتجلى هذه الوحشية في تصاعد الخطاب المتطرف، وفي الهجمات الإرهابية، وفي انتشار معاداة السامية التي لا تزال ترفع رأسها في قلب أوروبا، مهددة النسيج الاجتماعي الذي بُني بصعوبة بالغة بعد ويلات الحروب العالمية.
إن التحذير الذي أطلقه فايتسمان في عام 2018 بأن "التوحش كان أمامه طريق مفتوح وستدفع الديمقراطيات الثمن" يبدو اليوم أكثر واقعية وإلحاحًا. فالمجتمعات الغربية، وخاصة فرنسا، تشهد تزايدًا في التوترات والانقسامات، حيث تتغذى الكراهية على الاستقطاب السياسي والاجتماعي. يدعو الكتاب إلى يقظة فكرية وأخلاقية، وإلى إعادة تقييم للطرق التي نتعامل بها مع التهديدات الداخلية والخارجية. إنه تذكير بأن الحرية والديمقراطية ليستا مكتسبات ثابتة، بل تتطلبان دفاعًا مستمرًا وواعيًا ضد القوى التي تسعى إلى تقويضهما من الداخل والخارج. إن فهم "الجزء المتوحش" في أنفسنا وفي مجتمعاتنا هو الخطوة الأولى نحو ترويضه وحماية مستقبلنا المشترك.






