بينما يضع الديمقراطيون اللمسات الأخيرة على استراتيجيتهم الرقابية في أعقاب حصولهم على غالبيات جديدة في الكونغرس، لا يزال النقاش محتدماً داخل الحزب بشأن مدى ضرورة استهداف الشركات الفردية بشكل مباشر. وقد أدى هذا التوجه إلى التعامل ببرود مع وثيقة مفصلة أعدها مركز الفكر التقدمي "غراوندوورك كولابوراتيف"، والتي توصي باتباع نهج هجومي صارم ضد عدد من المديرين التنفيذيين في قطاعات صناعية مختلفة، بما في ذلك المطالبة بدفع تعويضات مالية.
مع استعداد الديمقراطيين لاستعادة دفة القيادة في لجان التحقيق الرئيسية خلال دورة الكونغرس المقبلة، تحثهم مجموعات خارجية ومراكز أبحاث على توظيف موارد الرقابة للتركيز بشكل أكبر على تكلفة المعيشة والشركات الكبرى، بدلاً من التركيز على الرئيس دونالد ترامب أو إهدار الوقت في محاولات عزله. ويشير عدد من المجموعات والأفراد الذين صاغوا خططاً رقابية وقدموا المشورة لأعضاء الكونغرس إلى أن مثل هذا النهج قد يلقى صدى أعمق لدى الناخبين.
وفي تصريح لشبكة "سي إن بي سي"، قال أليكس جاكيز، نائب الرئيس الأول للسياسات والمناصرة والبحث في مؤسسة "غراوندوورك كولابوراتيف": "كنا قلقين للغاية من أن نكرر نفس خطأ عام 2019، عندما جاء الديمقراطيون بأغلبية جديدة وكبيرة... وقضوا أكثر من عام كامل في إجراءات العزل. هذه القضية لم تترك صدى حقيقياً لدى المواطنين. لقد كان دونالد ترامب أكثر شعبية في اليوم الذي انتهت فيه محاكمة العزل في مجلس الشيوخ مقارنة باليوم الذي بدأت فيه في مجلس النواب". وأضاف مؤكداً تراجع صبر الناخبين: "لقد شهدنا تراجعاً كاملاً في صبر الناخبين حيال سياسات ترامب الاقتصادية".
وقد أعرب عدد من المجموعات والاستراتيجيين المتحالفين مع الحزب الديمقراطي عن مشاعر مماثلة لشبكة "سي إن بي سي"، حاثين الديمقراطيين -الذين حققوا أغلبيات كبيرة في كلا المجلسين ولديهم رغبة في تصفية الحسابات مع إدارة ترامب- على ضبط النفس، وتجنب خطأ إنفاق الكثير من الوقت في محاولة إزالة الرئيس من منصبه والبقاء على تركيزهم حول القدرة على تحمل تكاليف المعيشة.
من جانبه، قال لوك هولتز، المستشار السياسي الأول في مركز "ثيرد ويه" البحثي الوسطي، والذي أكد أن مركزه على تواصل وثيق مع القيادات الديمقراطية بشأن أجندة الكونغرس: "الناخبون لا يريدون منا التحقيق لمجرد الانتقام السياسي. هذا ليس صحياً لديمقراطيتنا، وهو يصب في مصلحة ما قام به ترامب نفسه. نأمل أن يكون الديمقراطيون قد تعلموا الدروس من ترامب، وأن يقوموا بتحقيقات مسؤولة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتكلفة المعيشة".
وقال مساعد ديمقراطي لموقع "سيمافور": "نتلقى جميعاً الكثير من رسائل البريد الإلكتروني، وهذه واحدة من بين رسائل عديدة".
من جانبه، صرح النائب الديمقراطي جيمي راسكين عن ولاية ماريلاند، المرشح لرئاسة لجنة الشؤون القضائية بمجلس النواب، لموقع "سيمافور" بأنه لم يطلع على الوثيقة، مضيفاً: "نحن لا نستهدف أشخاصاً أو شركات بناءً على رغبة في الانتقام؛ فهذه هي طريقة عمل دونالد ترامب".
وتقترح وثيقة مرافقَة مسارات قانونية تتيح للديمقراطيين السعي لفرض عقوبات بالسجن بحق المديرين التنفيذيين الذين يرفضون المثول أمام اللجان، فضلاً عن نشر الإقرارات الضريبية للشركات لكشف حالات التهرب الضريبي المحتملة، وإرسال جهات الرقابة الحكومية متخفية لفضح الممارسات الشركاتية المخالفة للقانون. ويُذكر أن شركة "إنستاكارت" كانت قد أنهت مبادرة للتسعير الديناميكي العام الماضي إثر تحقيق أجرته مؤسسة "غراوندوورك".
ويعمل الحزب على وضع اللمسات الأخيرة على خططه لتكثيف التدقيق في قضايا الفساد ومعالجة أزمة تكاليف المعيشة خلال دورة الكونغرس المقبلة؛ حيث حذرت السيناتور إليزابيث وارن عن ولاية ماساتشوستس، المرشحة لرئاسة لجنة المصارف بمجلس الشيوخ، "رؤساء قطاع التكنولوجيا الكبرى" و"مسؤولي وول ستريت" من احتمالية تعرضهم لمساءلة مشددة مستقبلاً. كما وجه سياسيون آخرون انتقادات حادة لأسواق التنبؤ والعملات الرقمية.
وتأمل القيادة الديمقراطية أن يسهم التركيز على مساءلة الشركات الكبرى في جذب الناخبين المستقلين وحتى بعض الجمهوريين القلقين بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة، وذلك بعد أن أثبتت هذه الاستراتيجية نجاحها لصالح مرشحي الحزب في الولايات المحافظة.
تفويض بالتحقيق والتطورات الميدانية
ولا يزال يتعين معرفة ما إذا كان الديمقراطيون سيستمعون إلى تلك النصائح أم لا؛ فمن المتوقع أن يطلق الديمقراطيون سلسلة واسعة من التحقيقات تستهدف الشركات التي تعاملت تجارياً مع إدارة ترامب في قطاعات التكنولوجيا، والعملات المشفرة، وأسواق التنبؤ، وذلك بمجرد توليهم السلطة في شهر يناير.
وفي يوم الجمعة، أصدر النائب روبرت غارسيا، الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا وأبرز الديمقراطيين في لجنة الرقابة بمجلس النواب والرئيس المحتمل القادم للجنة، مقطع فيديو جديداً يعد فيه بإجراء تحقيقات شاملة تشمل ترامب وعائلته وإدارته. وكتب غارسيا على منصة إكس: "ديمقراطيو الرقابة مستعدون لمواجهة المحتالين والنصابين وعائلة ترامب الإجرامية. استعينوا بمحامين".
وفي السياق ذاته، يكشف قادة آخرون في مجلسي النواب والشيوخ عن الأسس التي تبنى عليها أجندتهم التشريعية والرقابية، حيث لمح بعض رؤساء اللجان المحتملين إلى الجهات والملفات التي يستهدفونها، متضمنة قائمة طويلة تشمل ترامب وعائلته ومسؤولي الحكومة والبنوك الكبرى وشركات التكنولوجيا.
وعلى سبيل المثال، يُتوقع أن يتولى السيناتور رون وايدن عن ولاية أوريغون رئاسة لجنة المالية في مجلس الشيوخ، حيث مهّد الطريق بالفعل لأجندة رقابية طموحة. وأفاد مطلع على الأمر شبكة "سي إن بي سي" بأن اللجنة ستُجري تحقيقاً في العلاقة المصرفية التي تربط بنك جيه بي مورغان تشيس بمرتكب الجرائم الجنسية الراحل جيفري إبستين، وتحديداً القرارات التي اتخذتها ماري كالاهان إردويس، المديرة التنفيذية لقسم إدارة الأصول والثروات في البنك. وتحدث المصدر شريطة عدم الكشف عن هويته نظراً لعدم الإعلان الرسمي عن التحقيق الجاري في أكبر بنك بالبلاد.
وتأتي هذه التطورات بعد يوم واحد من تصريح أدلى به وايدن وأكد فيه أن الأولويات القصوى للجنة ستكون "تحقيق القدرة على تحمل التكاليف للمواطنين، والمحاسبة للمسؤولين عنها".




