في الأيام التي تلت الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، يرى العديد من المحللين أن "التسونامي الأزرق" كان مؤشراً على رفض شعبي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وليس تعبيراً عن محبة جديدة للحزب الديمقراطي. وهم على حق في تحذيرهم من أنه إذا فشل الحزب الديمقراطي في الوفاء بتعهداته، فسوف يواجه على الأرجح الموجة نفسها من الغضب الشعبي المناهض للسلطة في الدورة الانتخابية المقبلة.
لقد كتبتُ شخصياً الكثير من المقالات محاججاً بأن تبني الحرس القديم في الحزب الديمقراطي للنيوليبرالية كان جزءاً رئيساً في خلق ظروف الأزمة التي مكنت ترامب من الوصول إلى السلطة في المقام الأول، وأعاق بشكل كبير قدرتهم على إيقافه خلال العقد الماضي.
غير أن هذه الدورة الانتخابية كانت مختلفة بطرق لافتة. وبصريح العبارة، بدأ الديمقراطيون يرتكبون أخطاء أقل وأصبح أداؤهم أفضل ليس جميعهم، ولكن الكثير منهم. وهذا التحسن الحالي في الأداء هو ما يمنحني اليوم شيئاً من الأمل في أن الحزب قد ينجح بالفعل في عدم تضييع هذه الفرصة التاريخية.
فكيف تحسن أداء الديمقراطيين؟ أولاً، كان هناك انتشار لافت للمرشحين التقدميين ذوي التوجهات الشعوبية الاقتصادية الذين واجهوا بصراحة الشركات الكبرى ومؤسسات النفوذ، وقدموا أنفسهم كمدافعين عن حقوق الطبقة العاملة. وقد حقق الانتفاض الشعوبي الاقتصادي داخل الحزب الديمقراطي مكاسب ميدانية كبيرة في هذه الدورة.
قد يتساءل البعض: لماذا استغرق هذا التحول كل هذا الوقت؟ من السهل أن ننسى أن الانتفاض الانتخابي داخل الحزب الجمهوري كان قد سبق نظيره داخل الحزب الديمقراطي بثماني سنوات كاملة وكان لهذا التقدم الزمني أثر بالغ الأهمية.
فعقب الأزمة المالية العالمية عام 2008، ومن المفارقات أن الطاقة المحافظة المناهضة للمؤسسة الحاكمة هي التي التقطت الزخم الشعوبي أولاً من خلال "حركة الشاي". وبمساعدة منظمات مثل "فريدوم ووركس"، جرى توجيه تلك الطاقة بسرعة نحو انتخابات الحزب الجمهوري التمهيدية. وبحلول عام 2014، تمكن ناشطو حركة الشاي من إطاحة رئيس مجلس النواب الجمهوري إريك كانتور، مما مهد الطريق لظهور ترامب.
وبعد نحو ثلاث سنوات من انطلاق حركة الشاي، مثلت حركة "احتلو وول ستريت" الشرارة الأولى لليسار في العصر الشعوبي. ومن خلال تأطير الصراع الطبقي (الـ 99% مقابل الـ 1%) وتحديد الخصوم الشائعين (وول ستريت والبنوك الكبرى)، غيرت حركة "احتلو وول ستريت" الوعي الجمعي الوطني بشأن مساوئ عدم المساواة المفرطة.
لكن هذه الحركة القواعدية كانت تتردد في خوض الساحة الانتخابية. وجاءت الحملة الرئاسية للسيناتور بيرني ساندرز عام 2016 لنقل الرسالة الأساسية للحركة إلى الحلبة الانتخابية، غير أن قدرة اليسار على تنظيم انتفاض انتخابي لم تصل إلى المستوى الذي حققه اليمين في عام 2009 إلا بحلول الانتخابات النصفية لعام 2018، مع فوز النائبة ألكسندريا أوكاسيو كورتيز وفريق "السكوَاد" (The Squad).
ومنذ ذلك الحين، عملت منظمات تقدمية مستقلة مثل "ديمقراطيو العدالة"، وحزب "العائلات العاملة"، و"اشتراكيون ديمقراطيون أمريكيون"، وحركة "صن رايز"، فضلاً عن العديد من المنظمات المحلية على مستوى الولايات (مثل "بنسلفانيا تنتصب" و"بنسلفانيا متحدة" في ولايتي بنسلفانيا)، على تطوير قدراتها في استقطاب ودعم ممثلي الطبقة العاملة للترشح للمناصب العامة.
وقد شكل ذلك تطوراً عميق الأثر؛ إذ نجح هذا الزخم من التنظيم القواعدي المستقل، على مدى عقد من الزمان وبشكل متدرج، في كسر الاحتكار الفعلي لمؤسسة الحزب الديمقراطي لاختيار المرشحين. وقد أظهرت الانتخابات النصفية لعام 2026 زيادة كبيرة في القدرة على تقديم مرشحين يمثلون الطبقة العاملة في انتخابات الكونغرس.
ودون التقليل من أهمية هذا الاستثمار التنظيمي طويل الأجل، فمن الواضح أن عام 2026 شهد أيضاً انتشاراً تلقائياً للمرشحين الذين قدموا أنفسهم كمدافعين عن الطبقة العاملة. ولم يكن هذا الانتشار وليد المصادفة، بل كان نتيجة تحول عميق في المفهوم السائد حول ما يشكل رسالة انتخابية ناجحة.
فخلال العقد الماضي، تبنى عدد متزايد من الأصوات في الكونغرس وفي الحملات الانتخابية الرسالة التي نشرها بيرني ساندرز في الأصل، والمطالبة بالإصلاحات نفسها، بدءاً من إقرار الرعاية الصحية للجميع وتوفير السكن ورعاية الأطفال بأسعار معقولة، وصولاً إلى فرض قيود على الذكاء الاصطناعي وفرض الضرائب على الأثرياء.
ولكن تطلب الأمر تظافر عدة أحداث حتى تبدأ هذه الأفكار في اختراق التيار الرئيسي للحزب الديمقراطي خلال دورة عام 2026 الانتخابية.
وكان أحد هذه الأحداث الرئيسية، للأسف، فوز ترامب بولاية ثانية. فقد تمثل أحد الضحايا البارزين لفوز ترامب الثاني في فقدان الناخب الديمقراطي المتوسط ثقته بفي قيادة الحزب. إن مسار النتائج والعواقب من عام 2016 إلى عام 2024 قشع الضباب فجأة، كاشفاً عن إخفاقات قيادة الحزب وعدم أهليتها للقيادة عندما يتعلق الأمر بفوز الانتخابات.





