شهدت فرنسا، يوم الخميس، إضراباً عاماً ومظاهرات واسعة النطاق في مختلف أنحاء البلاد، رفعت خلالها المطالب بزيادة الرواتب وتحسين القدرة الشرائية وتوفير الموارد للخدمات العامة. وأعلنت وزارة الداخلية الفرنسية في حصيلة أولية صدرت في الساعة الواحدة ظهراً مشاركة نحو 270 ألف شخص في 180 موكب احتجاجي في الأقاليم خارج العاصمة باريس، في حين تخللت الاحتجاجات اشتباكات مع شرطة مكافحة الشغب، وإغلاق برج إيفل الشهير أمام الزوار.
ورافقت الفعاليات تعزيزات أمنية واسعة، حيث نشرت السلطات نحو 70 ألفاً من عناصر الشرطة والدرك لتأمين الاحتجاجات التي تراوحت التقديرات بشأنها بين 220 وأكثر من 250 مسيرة وتظاهرة في مختلف المدن والبلدات. وقدمت المنظمات النقابية والطلابية تحذيرات للحكومة من تفاقم الغضب الشعبي والتدهور الاقتصادي.
شرارة الاحتجاجات وتوسع الحركة الطلابية والعمالية
تعود الجذور الأولى للحراك إلى احتجاج طلبي شهدته ثانوية أنطوان دي سانت إكزوبيري في كريتاي، وهي ضاحية تقع جنوب شرق باريس، بسبب النقص الحاد في الكوادر التعليمية. وانتشرت مقاطع فيديو وثقت إغلاق المدرسة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتمتد الاحتجاجات سريعاً إلى المدارس الثانوية في جميع أنحاء فرنسا.
ومع اتساع نطاق الحركة، امتدت قائمة المطالب لتتجاوز الإخفاقات في نظام التعليم العام وتشمل استياءً اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً أوسع نطاقاً، وسرعان ما انضم إليها طلاب الجامعات والمعلمون وأولياء الأمور وسياسيون، إلى جانب العاملين في القطاعين العام والخاص وموظفين حكوميين.
وأفادت وزارة الداخلية بأن الإحصاء التمهيدي البالغ 270 ألف متظاهر لا يشمل العاصمة باريس، حيث كانت أجهزة الاستخبارات قد توقعت مشاركة ما بين 40 ألفاً و80 ألف شخص في المسيرة الحاشدة هناك. وفي حال تأكدت هذه التوقعات، فإن الإحصاء المؤقت الإجمالي لعدد المشاركين سيتراوح بين 310 آلاف و350 ألف شخص في جميع أنحاء البلاد، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام لا تمثل الحصيلة الوطنية النهائية بعد.
مواجهات واشتباكات في ليون وباريس وإغلاق برج إيفل
اندلعت اشتباكات بين شرطة مكافحة الشغب ومتظاهرين في مدينة ليون، بعد أن انحرفت المظاهرات المناهضة لارتفاع تكاليف المعيشة والداعمة لحركة الاحتجاجات الطلابية نحو العنف وإشعال النيران في الشوارع. واندمجت عناصر الشرطة المرتدية للخوذات والدروع نحو الحشود، واستخدمت خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين، بينما ارتدى بعض المشاركين أقنعة واقية من الغاز ونظارات حماية كإجراء احترازي ضد الغاز المسيل للدموع.
وفي باريس، أُغلق برج إيفل أبوابه أمام الزوار بسبب الإضراب، فيما أظهرت صور ولقطات فيديو مواجهات بين طلاب ومتظاهرين وقوات مكافحة الشغب. ونفذت الشرطة عمليات تدخل أمام عدد من المؤسسات التعليمية التي شهدت محاولات إغلاق، من أبرزها ثانوية أونوريه دي بلزاك في الدائرة السابعة عشرة، وثانوية إيلين بوشيه في الدائرة العشرين، واستخدمت قوات مكافحة الشغب الغاز المسيل للدموع لمنع عمليات الإغلاق وتفريق تجمعات المتظاهرين.
وأفادت وزارة الداخلية في بيان عند الساعة الواحدة ظهراً بأن الشرطة تسيطر على الوضع، لكنه يظل متوتراً. وأضاف البيان أن عدة أعمال عنف تُمَارَس في إطار حركة طلبة المدارس الثانوية، مشيراً إلى اندلاع حريق دمر مكتب الخدمات الطلابية بعد إطلاق ألعاب نارية على مدرسة بالقرب من مدينة تولوز الجنوبية. وفي مدينة رين، تَمّ إلقاء كرات بيتانك معدنية على عناصر الشرطة، فضلاً عن تعرض عناصر الأمن لرشق بمقذوفات في مدينتي بو وأورليان.
وفي مدن أخرى، حاول عشرات الطلاب الثانويين في ستراسبورغ سد منافذ ثانوية ماري كوري قبل تدخل قوات الأمن لتفريقهم. وفي بوردو، تجمع نحو مئة من طلاب المدارس الثانوية أمام ثانوية مونتين ووضعوا حاويات القمامة لمنع الوصول إلى المبنى. أما في تولوز، فواصل طلاب معهد العلوم السياسية حركة الاحتجاج التي بدؤوها في الأول من أكتوبر بعد توقف قصير خلال العطلة المدرسية.
نسبة مشاركة المعلمين وأزمة التعليم
أعلنت وزارة التربية الوطنية عن نسبة مشاركة أولية في الإضراب بلغت نحو 16% بين صفوف المعلمين، وشملت رياض الأطفال، والمدارس الابتدائية، والإعداديات، والثانويات، مع وجود تفاوت بين المؤسسات التعليمية.
وندد الموظفون المحتجون بالنقص الحاصل في الموارد البشرية والمادية، والصعوبات المتعلقة بتعويض المعلمين الغائبين، فضلاً عن تدهور ظروف العمل. وتتركز المطالب أيضاً على:
- زيادة الأجور ورفع الحد الأدنى للأجور.
- ضخ استثمارات إضافية وتخصيص موارد للخدمات العامة والمدارس.
- الحد من أعداد الطلاب داخل الفصول الدراسية.
- معالجة حالة المباني المدرسية وتوفير الموارد المخصصة لدعم الطلاب.
تحذيرات نقابية للحكومة من ركود اقتصادي
حذرت النقابات الرئيسية في فرنسا، وفي مقدمتها الاتحاد العام للشغل (CGT) والاتحاد الوطني للعمل (CNT) اللذان يمثلان العاملين في القطاعين العام والخاص، والاتحاد الوطني لطلبة فرنسا (UNEF) الذي يمثل الطلاب، حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون من أن البلاد تقف على شفير الركود الاقتصادي.
وقالت النقابات في بيان مشترك:
"كل شيء يرتفع باستثناء الأجور وجرايات التقاعد، والغضب عارم."
وأضافت النقابات في بيانها أن "الوضع في هذا البلد هش، ويجب معالجة التحديات الاجتماعية والبيئية الملحة دون تأخير"، مؤكدة ضرورة اتخاذ تدابير عاجلة لمواجهة غلاء المعيشة والاستجابة لمطالب الشارع.






