على طول القنوات الهادئة المتفرعة من نهر النيل في مصر، تطفو تجمعات كثيفة من نبات ورد النيل على السطح. لسنوات عديدة، كان هذا النبات سريع النمو يُنظر إليه إلى حد كبير على أنه آفة؛ حيث يسد قنوات الري ويعقد عمل المزارعين، مما يشكل تحديًا بيئيًا واقتصاديًا كبيرًا للمجتمعات المحلية التي تعتمد على هذه القنوات في الزراعة والحياة اليومية.
لكن بالنسبة لمجموعة من النساء المصريات، بدأ النبات يروي قصة مختلفة تمامًا، قصة أمل وتحول وإبداع.
من خلال برنامج "ورد الخير"، وهي مبادرة يدعمها الاتحاد الأوروبي، يتحول ما كان يُعتبر تحديًا بيئيًا إلى سلال صديقة للبيئة مصنوعة يدويًا، وأغطية مصابيح، وقطع ديكور فنية. هذا التحول لا يقتصر على الجانب البيئي فحسب، بل يفتح الباب أمام مهارات جديدة وسبل عيش محتملة للنساء المصريات، مما يعزز استقلالهن الاقتصادي والاجتماعي.
قالت رانيا بسيوني في مقابلة مع صحيفة ديلي نيوز إيجيبت على هامش فعاليات اليوم العالمي للمياه 2026، الذي شهد إطلاق برنامج "ورد الخير": "كنت أرى ورد النيل في القنوات عندما أمر بجانبها، لكنني لم أتخيل أبدًا أنني سأمسكه بيدي وأحوله إلى شيء مفيد. بصراحة، كنت أخشى حتى لمسه من قبل". تعكس كلماتها الدهشة والتحول في النظرة إلى هذا النبات الذي كان مصدر إزعاج.
الآن، تقوم بسيوني بجدل سيقان النبات المجففة بعناية لتشكيل أنماط تعلمتها خلال الدورات التدريبية للبرنامج. هذه العملية الدقيقة تتطلب صبرًا ومهارة، وهي مهارات تكتسبها النساء تدريجيًا.
وأوضحت قائلة: "لقد أظهروا لنا كيفية ربط القطع ببعضها البعض. باستخدام أدوات بسيطة مثل المقصات والقواطع، يمكننا صنع أشياء كثيرة سلال المصابيح، والسجاد، والمزهريات الزخرفية. الأمر يتطلب فقط الصبر والممارسة". هذه الأدوات البسيطة تفتح عالمًا من الإمكانيات الإبداعية، مما يبرهن على أن الابتكار لا يحتاج بالضرورة إلى تكنولوجيا معقدة.
حتى الآن، حضرت المشاركات دورات تدريبية تمهيدية قدمت لهن لمحة أولى عن كيفية تحويل ورد النيل إلى منتجات يدوية. وبعد عطلة العيد، ستشارك النساء في ورش عمل عملية أكثر كثافة لتعميق مهاراتهن وتطوير حرفتهن بشكل أكبر، مما يضمن اكتسابهن الخبرة اللازمة لإنتاج منتجات عالية الجودة.
بالنسبة لبسيوني، خريجة كلية التجارة التي ظلت عاطلة عن العمل لأشهر بعد إنهاء دراستها، فتحت هذه التجربة بالفعل بابًا غير متوقع. إنها فرصة لإعادة توجيه مسارها المهني واكتشاف شغف جديد.
قالت بابتسامة أمل: "أحب تجربة أشياء جديدة. ربما في يوم من الأيام يمكن أن يصبح هذا مشروعي الخاص". هذه الطموحات تعكس الأثر الإيجابي للبرنامج في بناء الثقة بالنفس وتوفير فرص ريادة الأعمال.

التعلم من أجل الاستقلال
بالنسبة لمشاركة أخرى، فادية صالح، فإن الدافع للانضمام إلى البرنامج أعمق بكثير من مجرد اكتساب مهارة جديدة؛ إنه سعي نحو الاستقلال والاعتماد على الذات.
قالت: "أردت أن أتعلم شيئًا يمكن أن يساعدني على الاعتماد على نفسي". هذه الرغبة في الاستقلالية هي قوة دافعة لكثير من النساء في المجتمعات التي تسعى للتنمية.
حاليًا، تعتمد فادية بشكل أساسي على برنامج الحماية الاجتماعية الوطني "تكافل وكرامة"، لكنها تأمل أن توفر لها هذه المهارة الجديدة مصدر دخل في نهاية المطاف، مما يقلل من اعتمادها على المساعدات الحكومية ويمنحها كرامة العمل.
وأوضحت قائلة: "لا أريد أن أعتمد على أحد. ما زلت أتمتع بصحتي وقدرتي على العمل، لذا أريد أن أتعلم شيئًا يمكن أن يساعدني في كسب رزقي، خاصة وأن أبنائي متزوجون ولديهم عائلاتهم الخاصة. ومع تقدمي في العمر، الله وحده يعلم ما يخبئه المستقبل". تعكس هذه الكلمات إصرارًا على بناء مستقبل آمن ومستقل، بعيدًا عن أي تبعية.
مثل العديد من الحرفيين الذين يبدأون شيئًا جديدًا، تقر صالح بأن التحدي الأكبر يكمن فيما هو أبعد من الحرفة نفسها؛ إنه في كيفية تحويل المنتجات إلى دخل مستدام.
قالت: "التحدي هو كيفية تسويق هذه المنتجات. يمكننا صنع أشياء جميلة، لكن بيعها هو الجزء الصعب". هذه نقطة حاسمة في أي مشروع حرفي، حيث أن جودة المنتج وحدها لا تكفي لضمان النجاح التجاري.
ومع ذلك، تظل متفائلة. فكجزء من البرنامج، ستتلقى المشاركات أيضًا تدريبًا على كيفية الترويج لمنتجاتهن وبيعها، مما يمنحهن الأدوات اللازمة للتغلب على تحديات السوق.
قالت: "أخبرونا أنهم سيدربوننا على التسويق أيضًا. بما أن هذا شيء جديد في السوق، فقد يستغرق وقتًا. لكن بالتدريب والخبرة، نعتقد أنه يمكن أن ينجح". هذا التفاؤل مبني على الإيمان بالقدرة على التعلم والتكيف مع متطلبات السوق.
تأمل صالح أيضًا أن تنتشر المعرفة المكتسبة من البرنامج داخل المجتمع، مما يخلق تأثيرًا مضاعفًا يعود بالنفع على عدد أكبر من النساء.
قالت: "عندما أتعلم، ستتعلم أختي أيضًا. وإذا تعلمت خمس منا، يمكننا تعليم الأخريات. امرأة تعلم أخرى، وسرعان ما ستعرف العديد من النساء هذه الحرفة". هذه الرؤية المجتمعية للتعلم والتمكين هي جوهر التنمية المستدامة، حيث تنتقل المعرفة والمهارات من فرد إلى آخر، مما يعزز قدرة المجتمع بأكمله على النمو والازدهار.
---
