هل اقترب حمى الذهب الخاصة بالذكاء الاصطناعي من نهايتها، أم أن ما يحدث ليس سوى إعادة تقييم واقعية للسوق؟
هذا هو السؤال الذي يؤرق المستثمرين حالياً، والذي أثار موجة من التراجعات الحادة في أسواق الأسهم العالمية خلال الأيام الأخيرة.
وقد سجلت عملية بيع الأسهم في الولايات المتحدة الأمريكية مستويات دراماتيكية، تركزت بشكل رئيسي في مؤشر ناسداك الذي يضم عمالقة التكنولوجيا مثل ألفابت (غوغل)، وإنفيديا، وميتا، وآبل.
وجاءت هذه التراجعات في أعقاب المكاسب الواسعة التي حققها الحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، والتي منحت الحزب سيطرة كاملة على مقاليد الأمور في الكونغرس.
وقد خاض عدد من قيادات الحزب الديمقراطي حملاتهم الانتخابية معارضين التوسع غير المقيّد لمراكز البيانات، والتي تُعد الركيزة الأساسية التي يقوم عليها نمو تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويبدو أن المخاوف من أن يؤدي ذلك إلى فرض المزيد من اللوائح والقيود التنظيمية على قطاع الذكاء الاصطناعي قد أثارت حالة من الذعر بين المستثمرين، على الرغم من أن القلق بشأن آفاق هذه الصناعة يتصاعد منذ فترة.
قال كيفن هاشيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني، يوم الجمعة إنه يتوقع استمرار نمو مراكز البيانات وفقاً للتوقعات، وذلك على الرغم من موجة الانتخابات التي شهدت إقبال الناخبين بأغلبية ساحقة على تأييد الحد من توسع البنية التحتية التكنولوجية.
وأقر هاشيت، خلال ظهور له على برنامج "سواوك أون ستريت" الذي تبثه شبكة "سي إن بي سي"، بالعشرات من التدابير المدرجة على بطاقات الاقتراع في الانتخابات النصفية للولايات والتي تسعى إلى تقييد مراكز البيانات، وهي جزء حاسم من مساعي الرئيس دونالد ترامب لكسب سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.
وحوفاً على نتائج فرز الأصوات، فقد صوتت الأغلبية في ما لا يقل عن 46 مبادرة من أصل 50 مبادرة على الأقل طرحت في اقتراع عام 2026 لصالح تقييد تطوير هذه المرافق، وفقاً لإحصاءات منصة "بالوتوبيديا".
وقال هاشيت: "نحن نحترم السلطات المحلية التي تقرر أن هذا هو ما تريد القيام به. لكن أمريكا مكان كبير، وفي الوقت الحالي، فإن مراكز البيانات المقرر إنشاؤها خلال العامين المقبلين لن تأثر بهذه المبادرات المطروحة للاستفتاء".
وأضاف: "أما بالنسبة للمشاريع اللاحقة لذلك، كما تعلمون، فهناك متسع كبير في الولايات المتحدة لمواصلة نمو مراكز البيانات تماماً كما كان متوقعاً قبل الانتخابات".
وأشار هاشيت إلى أنه يتوقع توسع مراكز البيانات في الولايات التي تتمتع بحكام أكثر ترحيباً، مرجحاً أن الولايات المعارضة ستتراجع عن مواقفها في نهاية المطاف.
وتابع قائلاً: "هذا هو ما سيحدث تماماً. إما ذلك، أو أن فوائد مراكز البيانات ستكون واضحة للغاية لدرجة تجعل الناس يقررون تغيير آرائهم حول الطريقة التي ينظمون بها هذا القطاع".
شاهد الان
كما أرجع هاشيت سبب الهبوط الحاد الذي شهدته الأسهم المرقطة بالتكنولوجيا يوم الخميس إلى "حالة عدم اليقين بشأن ما يعنيه التغيير السياسي بالنسبة لمستقبل مراكز البيانات".
وأضاف: "لدينا الآن أغلبية جديدة ربما ستتدخل وتثير بعض الفوضى هناك، وأعتقد أن الأسواق قلقة حيال ذلك".
واستطرد قائلاً: "ولكنني أعتقد أن القوة الاقتصادية التي نراها في كل مكان آخر قوية للغاية، وبطبيعة الحال، في النهاية، يمكنك أن تأخذ قطاعاً ينمو بسرعة مراكز البيانات وتجعله ينمو بسرعة أقل قليلاً، ومع ذلك يظل لديك اقتصاد مزدهر وضخم".
واختتم حديثه بالقول: "لذلك، أعتقد أننا ما زلنا متفائلين للغاية بشأن ما سيحدث في المستقبل".
وقد وجد استطلاع للرأي أجرته شبكة "سي إن بي سي" للناخبين أن 56% من المشاركين في الانتخابات النصفية اعتبروا مراكز البيانات قضية محورية أو رئيسية، ومن بين أولئك الذين اعتبروها حاسمة، أيد 62% المرشح الديمقراطي التقليدي.
وكان الرئيس ترامب قد تبنى بشدة تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، بل وحاول عكس شعبيتها الظاهرية الضعيفة عبر إعادة تسمية هذه التكنولوجيا لتصبح "الذكاء الفائق" أو "إس آي".
وفي منشور له على منصة "تروث سوشيال" يوم الجمعة، أوضح ترامب جلياً أنه على الرغم من خسائر الانتخابات النصفية، فإن دعمه للصناعة الناشئة لم يتزعزع.
وكتب ترامب قائلاً: "بصفتي رئيساً، أنا مؤيد بنسبة 100% للذكاء الفائق، وسأعمل مع العديد من ولايات الولايات المتحدة التي ترغب في أن تصبح غنية من خلال استضافتها. إنها بمثابة الذهب، وحدها القيادة الحمقاء هي من ستعبر عن رفضها للثروات التي تجلبها!".
طفرة الذكاء الاصطناعي
يُنظر على نطاق واسع إلى إطلاق روبوت الدردشة "تشات جي بي تي" (ChatGPT) من قبل شركة "أوبن إيه آي" (OpenAI) في أواخر عام 2002 باعتباره الحدث الذي أشعل فتيل الاهتمام الجماهيري والمؤسسي الهائل بالاستخدامات العملية للذكاء الاصطناعي، مما أدى بدوره إلى اندلاع موجة حديثة تشبه التنقيب عن الذهب.
وتدفق المستثمرون لضخ أموالهم في الشركات التي تنتج رقائق الكمبيوتر والبنية التحتية للشبكات، وبناء مراكز البيانات وتوفير الطاقة اللازمة لتشغيلها، فضلاً عن تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي ذاتها، مما أدى إلى ارتفاعات صاروخية في قيم شركات التكنولوجيا.
وقد استمر هذا الزخم الطفري حتى العام الجاري؛ إذ تشير أبحاث صادر عن بنك غولدمان ساكس إلى أن حجم الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي يتوقع أن يصل إلى تريليون دولار خلال عام 2026 وحده. وقد استقطب هذا القطاع حجماً هائلاً من السيولة المتاحة لدرجة أن القطاعات الصناعية الأخرى شهدت ارتفاعاً في تكاليف الاقتراض الخاصة بها نتيجة لذلك.
لكن المستثمرين يبحثون عن عوائد حقيقية، وفي الأشهر الأخيرة تنامَت المخاوف بشأن ما إذا كانت طفرة الذكاء الاصطناعي قادرة حقاً على جلب الأرباح المتوقعة منها.
وقد ظهرت هذه الهواجس في وقت تتصدر فيه العناوين الرئيسية تصريحات علنية لباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي تعرب عن الشكوك حول سلامة هذه التقنيات - وصولاً إلى التحذير من أنها قد تمثل تهديداً وجودياً للبشرية - مما غذى التكهنات بقرب فرض إجراءات صارمة لضبط القطاع.
معارضة الديمقراطيين
وفي الوقت الذي تبنت فيه إدارة دونالد ترامب الذكاء الاصطناعي بشكل كامل، أو ما يفضل الرئيس تسميته بـ "الذكاء الخارق"، فإن العديد من الشخصيات القيادية الديمقراطية استغلت مخاوف القواعد الشعبية بشأن التوسع المتسارع لمراكز البيانات وتأثيرها على المجتمعات المحلية.
وقد تركزت هذه المخاوف حول الاستهلاك العالي لهذه المرافق من المياه والكهرباء، والتي يخشى الكثيرون من أن تؤدي إلى ارتفاع فواتير الأسر المعيشية، إضافة إلى الإزعاج الناتج عن الضوضاء، واستهلاك الأضواء للأراضي، ومختلف مظاهر الإزعاج المرتبطة بها.






