في قلب المشهد الثقافي المصري، يتكشف جدل متصاعد؛ جدل يتجاوز العقود والمفاوضات المهنية ليصل إلى جوهر العلاقة بين الإبداع والاستغلال التجاري. عادت حقوق الأداء العلني، المنصوص عليها في قانون حماية حقوق الملكية الفكرية المصري رقم 82 لسنة 2002 لأكثر من عقدين، إلى الواجهة مرة أخرى بعد تحرك من مجلس الشيوخ وإعلان النقابات الفنية عن بدء تفعيل هذه الحقوق. ومع ذلك، رفضت غرفة صناعة السينما في مصر أي التزام بتبني عقود موحدة أو فرض أعباء مالية إضافية على المنتجين.
لا يقتصر الجدل على المدفوعات التي تتم عند إعادة بث فيلم أو مسلسل تلفزيوني. بل يتعلق بكرامة المبدعين، واستمرارية دخلهم بعد توقفهم عن العمل المهني النشط، ومستقبل صناعة تعتمد بشكل متزايد على الاستغلال المتكرر للأعمال القديمة عبر القنوات الفضائية والمنصات الرقمية. وفي وقت يواجه فيه السوق ضغوطًا اقتصادية متزايدة وارتفاعًا حادًا في تكاليف الإنتاج، أصبح تحقيق التوازن بين حماية حقوق المبدعين وضمان استقرار الصناعة هو التحدي المركزي الذي يواجه جميع الأطراف المعنية.
الخلفية القانونية والتاريخية
حقوق الأداء العلني، كما هي محددة بموجب المادة 138 والأحكام اللاحقة من القانون رقم 82 لسنة 2002، تشمل أي فعل يجعل العمل متاحًا للجمهور بأي شكل، سواء من خلال الأداء، أو الإلقاء، أو العرض الموسيقي، أو البث، أو العرض العام، أو الوسائط السمعية البصرية. تشكل هذه الحقوق جزءًا من حقوق الاستغلال الاقتصادي الممنوحة لأصحاب الحقوق المجاورة، بمن فيهم المؤدون الممثلون والمغنون والعازفون والراقصون وكذلك المؤلفون وكتاب السيناريو والمخرجون وملحنون الموسيقى التصويرية في الأعمال السمعية البصرية. تظل هذه الحقوق الاقتصادية محمية بشكل عام لمدة خمسين عامًا من تاريخ الأداء أو التسجيل، بينما تظل الحقوق المعنوية دائمة وغير قابلة للتصرف.

لطالما التزمت مصر دوليًا بهذا الإطار من خلال انضمامها إلى اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية وعضويتها في منظمة التجارة العالمية. وفي قطاع الموسيقى، تم تطبيق هذه الحقوق بفعالية لعقود من خلال جمعية المؤلفين والملحنين والناشرين الموسيقيين في مصر (SACERAU)، التي تجمع الإتاوات الناتجة عن إعادة استخدام الأعمال الموسيقية في مصر والخارج قبل توزيعها على أصحاب الحقوق المعنيين.
أما في الدراما السينمائية والتلفزيونية، فقد ظل التنفيذ محدودًا، على الرغم من وضوح الأحكام القانونية. وقد أدى هذا التفاوت بالعديد إلى وصف الممثلين والمخرجين وكتاب السيناريو بأنهم "مواطنون من الدرجة الثانية" داخل صناعة ساعدوا في بنائها، بينما تستمر أعمالهم في الاستغلال التجاري لسنوات دون توليد دخل إضافي.
يلخص الناقد السينمائي طارق الشناوي القضية بالإشارة إلى أن حقوق الأداء العلني مطبقة بالفعل في عدة دول، لكن مصر لا تزال بحاجة إلى إطار تشريعي وتنفيذي واضح يحدد المستفيدين ويضع آليات فعالة للتحصيل والتوزيع. ويجادل بأن القضية معقدة وتتطلب كيانًا قانونيًا متخصصًا للإشراف على العملية، تمامًا كما هو الحال في قطاع الموسيقى.
يعكس هذا إطارًا قانونيًا تطور على مدى عقود، بدءًا من الجهود المبكرة لتنظيم حقوق المؤلفين في الأربعينيات، تلاها القانون رقم 354 لسنة 1954، وبلغ ذروته في قانون حماية حقوق الملكية الفكرية الحالي الصادر عام 2002.
الشرارة التشريعية
تزايد الزخم في مايو 2026 عندما قدم الممثل وعضو مجلس الشيوخ ياسر جلال اقتراحًا إلى لجنة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار بمجلس الشيوخ يدعو إلى تفعيل حقوق الأداء العلني وفقًا للقانون القائم.






