بينما تحتفل مصر بالذكرى الثالثة والخمسين لحرب أكتوبر 1973، تعود البلاد مرة أخرى إلى أحد أعمق فصول تاريخها الحديث: عبور قناة السويس، واختراق خط بارليف، والإنجاز العسكري الذي أعاد تشكيل الوعي الوطني المصري.
ولكن بعد مرور أكثر من خمسة عقود، تثير هذه الذكرى سؤالاً آخر سؤالاً يضع مسؤولية متجددة على عاتق الفنون، وخاصة السينما: هل قدمت السينما المصرية ما يكفي لتوثيق الحرب، والحفاظ على قصص أولئك الذين خاضوها، ونقل أهميتها إلى الأجيال الجديدة والجمهور الدولي؟
إن السينما تفعل أكثر من مجرد إعادة تمثيل الأحداث التاريخية. في أفضل حالاتها، تمنح التاريخ وجهاً إنسانياً، وتحول السجلات العسكرية والشهادات والإحصائيات إلى قصص يمكن أن يتردد صداها عبر الأجيال والحدود. وقليل من فصول التاريخ المصري الحديث تقدم لوحة غنية لمثل هذا السرد القصصي مثل حرب أكتوبر.
على مر العقود، أنتجت السينما المصرية مجموعة كبيرة من الأفلام الروائية والوثائقية التي تتناول مراحل مختلفة من الصراع العربي الإسرائيلي من حرب الاستنزاف والعمليات العسكرية المصرية ضد الأهداف الإسرائيلية إلى عبور أكتوبر واختراق خط بارليف.
ومع ذلك، يبقى سؤال واحد: هل أنتجت السينما المصرية الفيلم الحاسم الذي يضاهي حجم وتعقيد وأهمية حرب أكتوبر التاريخية؟
لقد اكتسب هذا السؤال إلحاحاً إضافياً في عصر تلعب فيه الأفلام والمسلسلات التلفزيونية والمنصات الرقمية دوراً متزايد القوة في تشكيل الفهم العام للتاريخ. كما يأتي في وقت تستمر فيه الروايات المتنافسة للصراع في الانتشار دولياً، وتقدم أحياناً الأحداث من منظورات تختلف بشكل حاد عن السجل التاريخي المصري والعربي.
"الممر" يفتح النقاش من جديد
من أبرز الأفلام المصرية الحديثة التي أعادت تناول التجربة العسكرية للبلاد هو فيلم "الممر"، الذي صدر عام 2019. ركز الفيلم على سلسلة من العمليات العسكرية المصرية خلال حرب الاستنزاف، مسلطاً الضوء على شجاعة الجنود المصريين والعمليات التي نفذت ضد المواقع الإسرائيلية، بينما تطرق أيضاً إلى جهود مصر لتطوير قدراتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية.
اجتذب الفيلم اهتماماً جماهيرياً كبيراً وأعاد إشعال النقاش حول ما إذا كانت السينما المصرية تستطيع مرة أخرى إنتاج دراما عسكرية واسعة النطاق قادرة على نقل تاريخ البلاد في زمن الحرب إلى جيل جديد.
وعلى الرغم من أن "الممر" يتناول حرب الاستنزاف بدلاً من حرب أكتوبر نفسها، إلا أنه مثل خطوة مهمة نحو إعادة تناول التاريخ العسكري المصري على الشاشة. كما أظهر استقباله أن الجماهير لا تزال مهتمة بشدة بقصص الجنود والقادة الذين مهدت أفعالهم الطريق لانتصار أكتوبر.
"حائط البطولات": معركة الدفاع الجوي
قبل أكثر من عقدين من فيلم "الممر"، قدم فيلم "حائط البطولات" عام 1998 تصويراً درامياً لمرحلة حاسمة من الصراع. تتبع الفيلم المجتمع المصري خلال حرب الاستنزاف وحتى حرب أكتوبر، مع التركيز بشكل خاص على دور قوات الدفاع الجوي المصرية وحائط الصواريخ الذي أقيم لمواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي.
يظل الفيلم مهماً لأنه لفت الانتباه إلى بُعد من أبعاد الصراع غالباً ما حظي بمعالجة سينمائية أقل: الدور الاستراتيجي لنظام الدفاع الجوي المصري في تمهيد الأرض للعبور النهائي.
"الطريق إلى إيلات"
من بين أشهر الأفلام المصرية التي تناولت حرب الاستنزاف فيلم "الطريق إلى إيلات"، من إخراج إيناس محمد علي، والذي صدر عام 1994. يروي الفيلم قصة حقيقية لعملية عسكرية جريئة نفذتها الضفادع البشرية المصرية لتدمير سفينة إسرائيلية في ميناء إيلات، مما يبرز الشجاعة والتخطيط الدقيق للقوات الخاصة المصرية. لقد حظي الفيلم بإشادة واسعة لواقعيته وتصويره المثير للتشويق، وأصبح علامة فارقة في السينما الحربية المصرية، حيث ألهم أجيالاً جديدة بفخر الإنجازات العسكرية المصرية. كما أنه يمثل نموذجاً لكيفية تحويل الأحداث التاريخية إلى عمل فني مؤثر يظل خالداً في الذاكرة الجماعية.






