شهدت أسواق الأسهم العالمية موجة بيع حادة في تعاملات نهاية الأسبوع، بعدما أقبل المستثمرون على تصفية مكثفة لأسهم شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، في أعقاب الفوز الكاسح للحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية وتصويت الناخبين في عدة ولايات لصالح فرض قيود تنظيمية صارمة على البنية التحتية ومراكز البيانات.
وأدت موجة البيع الحادة، التي بدأت في Wall Street يوم الخميس ثم امتدت إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية يوم الجمعة، إلى محو تريليونات الدولارات من القيمة السوقية لكبرى شركات التكنولوجيا حول العالم، وسط مخاوف من إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي وإخضاع القطاع لرقابة تشريعية أشد صرامة والتدقيق في خطط التوسع.
تراجع حاد للمؤشرات الأمريكية وناسداك يدخل "نطاق التصحيح"
سجل مؤشر "ناسداك" المكتظ بأسهم التكنولوجيا أسوأ يوم له منذ 19 شهراً بعد أن هوى بنسبة 5.5% بنهاية تعاملات يوم الخميس (بعدما كان تراجعه بنسبة 4.8% في منتصف اليوم). وأدى هذا الانخفاض الحاد إلى خسارة المؤشر أكثر من تريليوني دولار (وحسب تقديرات أخرى نحو 2.5 تريليون دولار / 1.9 تريليون جنيه إسترليني) من قيمته السوقية، ليدخل رسمياً في "نطاق التصحيح" — وهو المصطلح الذي يشير إلى هبوط المؤشر بنسبة تزيد على 10% عن أعلى مستوى قياسي سجله مؤخراً. وسجل ناسداك بذلك أكبر انخفاض يومي له منذ أعلن الرئيس دونالد ترامب عن حملته الواسعة لفرض الرسوم الجمركية على الشركاء التجاريين للولايات المتحدة في الثاني من أبريل 2025، وهو اليوم الذي أطلق عليه حينها اسم "يوم التحرير".
ولم تكن بقية المؤشرات الأمريكية بمعزل عن هذا الهبوط الحاد، إذ انخفض مؤشر "داو جونز الصناعي"، الذي يضم 30 شركة أمريكية كبرى، بأكثر من 1800 نقطة بحلول نهاية اليوم، متراجعاً بنسبة 3.4% ليصل إلى 51,868 نقطة. كما هبط مؤشر "إس أند بي 500" بنسبة 4.3% (بعد أن سجل تراجعاً بنسبة 3.6% في تعاملات منتصف النهار).
وكانت الأسواق الأمريكية قد سجلت ارتفاعاً يوم الأربعاء عقب إعلان نتائج الانتخابات مباشرة، حيث اعتبر المستثمرون أن الفوز الكاسح للديمقراطيين سيحد من الصدمات السياسية الناتجة عن كونغرس على خلاف مع البيت الأبيض، لا سيما مع تلقي الأسواق طمأنة من تصريحات ترامب الذي أكد أنه سيقبل بنتائج الانتخابات. غير أن المكاسب سرعان ما تبددت يوم الخميس مع بدء تقييم التداعيات التشريعية وتزايد القلق بشأن الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، فإن قفزات أسهم التكنولوجيا السابقة المدفوعة بالزخم حول الذكاء الاصطناعي تعني أنه حتى بعد هبوط الخميس، لا يزال مؤشر ناسداك أعلى مما كان عليه قبل عام، ومرتفعاً بنحو 4.6% مقارنة بمستواه في بداية العام الحالي.
قفزة في "مؤشر الخوف" وتراجع حاد في الأسواق العالمية
وقفز مؤشر VIX، المعروف بـ "مؤشر الخوف" في وول ستريت، بنسبة 61% ليرتفع إلى أعلى مستوياته منذ الأسابيع الأولى للحرب الإيرانية، مما يعكس حالة التقلب الشديد والاضطراب في الأسواق.
واستمر التراجع الحاد في الأسواق الآسيوية يوم الجمعة، حيث تراجع مؤشر "نيكي 225" الياباني بنسبة 6%، بينما هبط مؤشر "كوسبي" الكوري الجنوبي بأكثر من 8% في التعاملات المبكرة.
خسائر تريليونية لـ "الشركات السبع الكبرى" وشركات الرقائق
تكبدت كبرى شركات التكنولوجيا خسائر فادحة، حيث تسببت عمليات البيع في فقدان ما يُعرف بـ "الشركات السبع الكبرى" (والتي تضم أبل وإنفيديا وتسلا وميكروسوفت وأمازون وألفابت وميتا) نحو تريليون دولار من قيمتها السوقية في يوم تداول واحد.
وقادت أسهم الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية الهبوط؛ حيث تراجع سهم شركة "إنفيديا" الرائدة بنسبة 8.2% في منتصف تعاملات الخميس ليغلق هابطاً بأكثر من 9%. كما هوى سهم شركة "سان ديسك" لتصنيع الذاكرة بنسبة 22%، وانخفض سهم شركة "ويسترن ديجيتال" لتصنيع الأقراص الصلبة بنسبة 17%. وتراجع سهم "مايكرون" بنحو 14%، وسهم "إنتل" بنسبة 6.8%، وسهم شركة "ديل" المصنعة لسيرفرات الذكاء الاصطناعي بنحو 13%.
ولم تكن بقية الشركات بمعزل عن التراجع، إذ هبط سهم "أمازون" بنسبة 2%، وسهم شركة "ميتا" — المالكة لفيسبوك وإنستغرام — بنسبة 3.8%.
خسائر ماسك ورهاناته الانتخابية في تكساس
تكبدت الشركات التابعة للملياردير إيلون ماسك خسائر قاسية، حيث تراجع سهم شركة "سبيس إكس" بنسبة تراوحت بين 8% و9.5%، بينما هبط سهم شركة "تسلا" للسيارات الكهربائية بأكثر من 11%، مما أدى إلى محو أكثر من 300 مليار دولار من القيمة السوقية للشركتين مجتمعتين.
وجاء هذا التراجع بعدما أنفق ماسك مبالغ ضخمة قُدّرت بنحو نصف مليار دولار (ما بين 450 و500 مليون دولار) لدعم حملات الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية. ففي ولاية تكساس، التي يقع فيها المقر الرئيسي لشركتيه، راهن ماسك ضد مرشحين ديمقراطيين انتهى بهم المطاف بالفوز؛ حيث أنفق 230 مليون دولار لهزيمة مرشح مجلس الشيوخ الأمريكي جيمس تالاريكو، و45 مليون دولار على الأقل لدعم كين باكستون لنفس المقعد، و5 ملايين دولار لدعم منافس جينا هينوهوسا في سباق حكام الولايات، و500 ألف دولار في سباق نائب الحاكم الذي فازت به الديمقراطية فيكي غودوين. غير أن ولاية تكساس تحولت إلى اللون الأزرق لصالح الديمقراطيين في ما وُصف بـ "التسونامي الديمقراطي".
وقال دان أيفز، الشريك المدار في شركة "يوركفيل أيفز"، في مذكرة تحلیلية:
"نعتقد أن الاندماج بين سبيس إكس وتسلا سينفذ في النهاية، ولكنه يواجه الآن مساراً تنظيمياً أكثر صعوبة لإتمام هذه الصفقة بحلول عام 2027 في ظل الخريطة السياسية الزرقاء الجديدة في واشنطن وتكساس".
مبادرات الاقتراع المحلية وضغوط تنظيمية على مراكز البيانات
يعود السبب الرئيسي للذعر في القطاع إلى التوقعات بأن الحكام الديمقراطيين سيفرضون قيوداً على إنشاء مراكز بيانات جديدة بعد فوز الحزب بسلسلة من سباقات حكام الولايات هذا الأسبوع، بالإضافة إلى نتائج 45 مبادرة اقتراع محلية تتعلق بمراكز البيانات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة. وأيد الناخبون فرض قيود تنظيمية على معظم تلك المشروعات، حيث نجحت 39 مبادرة اقتراع لفرض قيود على التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الكبيرة التي تستهلك طاقة مفرطة، بينما صوتت ولاية واحدة فقط — هي داكوتا الشمالية — ضد فرض تلك القيود.
وقدر محللو بنك "يو بي إس" (UBS) أن التوقف المحتمل أو التباطؤ في تطوير تلك المراكز سيؤثر سلباً على نمو السعة الحسابية لشركات التكنولوجيا.
وأشار نيل ويلسون، الخبير الاستراتيجي للمستثمرين في شركة "ساكسو يو كاي"، إلى أن أسهم التكنولوجيا شهدت يوم الخميس "حدثاً يشبه الاستسلام الكامل".
وأضاف ويلسون:
"المخاوف تكمن في تراجع كلي للزخم مع تقدم الديمقراطيين وإيقافهم لتطوير مراكز البيانات... يبدو هذا الأمر مبالغاً فيه للغاية، لكن طبيعة موجات 'بيع كل شيء' في هذه السوق تعني أننا بحاجة للبحث عن بعض الاستقرار أولاً".






