نجح فريق من علماء الآثار، لأول مرة، في رسم المخطط المعماري الكامل تقريبا لمنزل نوميدي فريد من نوعه في موقع "سيدي سعيد" بمدینة برقو في ولاية سليانة شمال تونس. وقد جاء هذا الاكتشاف المهم خلال موسم التنقيب الثاني الذي امتد من 16 سبتمبر إلى 6 أكتوبر 2026، وذلك في إطار مشروع مشترك يجمع بين المعهد الوطني للتراث في تونس والمعهد الكتالوني للآثار الكلاسيكية بموجب اتفاقية تعاون دولي.
ويقع هذا المنزل التاريخي في المنطقة الثالثة الواقعة في الجزء الشمالي الشرقي من المستوطنة الأثرية؛ حيث يتألف من عدة غرف ذات تصميم معقد يفوق التوقعات التي افترضها الباحثون مسبقاً. وقد شُيِّد هذا المبنى في القرن الرابع قبل الميلاد أو ربما قبل ذلك بقليل، وعمد سكانه إلى إدخال تعديلات عديدة عليه طوال فترة سكنهم فيه. ويتميز المنزل بالتصاقه بالسور الدفاعي للمستوطنة، وهو السور نفسه الذي وثقه فريق العمل في قطاع آخر خلال عام 2025، مما يمنح الباحثين فهماً مباشراً لكيفية اندماج المنازل السكنية مع التحصينات الدفاعية في المدن النوميدية القديمة.
وفي السياق ذاته، أضافت أعمال التنقيب في المنطقة الأولى مزيداً من التفاصيل والدلالات حول أساليب بناء المنازل وتأثيثها. تقع هذه المنطقة بالقرب من الأراضي التي خضعت لحفريات الإنقاذ في عامي 2017 و2018. وقد عكف فريق البحث على دراسة تقنيات البناء والمواد المستخدمة والتجهيزات المنزلية مع التركيز بشكل خاص على المواقد. كما استخرج الباحثون مجموعة ضخمة من القطع الأثرية بحالة ممتازة، بعضها يكاد يكون سليماً بالكامل، وتبرز من بينها الأواني الفخارية التي تشمل منتجات محلية وأخرى صُنعت في قرطاج، إضافة إلى أدوات استخدمت لتثبيت قدور الطهي فوق النيران. وتوفر هذه اللقى الأثرية لمحة واضحة عن تفاصيل الحياة اليومية وطبيعة التبادل التجاري بين المجتمعات المجاورة في تلك الحقبة.
يذكر أن موقع "سيدي سعيد" اكتُشف بالصدفة البحتة، عندما كانت فرق أشغال توسيع الطريق الوطنية رقم 4 التي تربط بين الفحص وسليانة عبر برقو، تصطدم بالطرف الجنوبي للموقع. وأدى ذلك إلى إجراء حفريات إنقاذ عاجلة بين ديسمبر 2017 وأبريل 2018، كشف خلالها علماء الآثار عن مخطط حضري متطور نسبياً وسور دفاعي يعود تاريخه المبدئي إلى منتصف الفلف الأخير قبل الميلاد، فضلاً عن بحالة حفظ ممتازة للمباني وثراء كبير في المكتشفات دون أن يشهد الموقع أي استيطان بشري لاحق.






