لا توحي الاحتجاجات المستمرة في مختلف أنحاء أوروبا بأي علامات على التراجع؛ فهي تخفت في أيام معينة لتشتعل مجدداً بعد أيام قليلة. وقد اجتاحت المظاهرات، التي يقودها الشباب إلى حد كبير، ثماني دول أوروبية على الأقل، مدفوعة بمظالم تتراوح بين سوء أحوال المدارس وارتفاع أسعار وقود الديزل، وصولاً إلى شعور أعمق بانعدام الأمن تجاه المستقبل والإحساس بأن الفرص أصبحت بعيدة المنال بشكل متزايد، فضلاً عن تفاقم أزمات غلاء المعيشة وتدني الأجور.
وفي هذا السياق، يقول ألبيرتو أليمانو، أستاذ قانون وسياسات الاتحاد الأوروبي في كلية هيسي للأعمال بباريس: "هذه الاحتجاجات متعدّدة وغير منسقة، وليس لها قائد أو برنامج واحد. ولذلك، فهي أقل شبهاً برفض سياسة معينة، وأكثر شبهاً بإشارة إلى أن الناس لم يعدوا يثقون في قدرة النظام على تلبية احتياجاتهم. ولهذا السبب تحظى هذه الاحتجاجات بهذا القدر من الأهمية النقدية".
وبالنسبة للحكومات، يثبت التعامل مع حالة السقط الشعبي هذه أنه أمر بالغ الصعوبة. ويشير الخبراء إلى عدم وجود حلول سهلة، وأن العديد من الحكومات كافحت حتى الآن لتقديم إجابات لا تتعدى استعراض القوة، محذرين من أن الاحتجاجات مرشحة للاستمرار وسط احتقان اجتماعي غير مسبوق.
ويضيف أليمانو: "حيثما كانت هناك ردة فعل حكومية، فإن التركيز ينصب على النظام العام والأمن. ويعود جزء من السبب إلى أن هذه الحركات، كأي احتجاج شعبي، تضم أو استقطبت أقليات عنيفة صغيرة تتصدر عناوين الأخبار وتهدد بتقويض المطالب المشروعة".
من جانبها، ترى دوناتيلا ديلا بورتا، أستاذة العلوم السياسية في مدرسة اسكولا نورمال سوبريوري بمدينة فلورنسا، أن استمرار التجمعات يعود إلى كونها أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بقضايا تتجاوز المظالم الفردية البحتة. ورغم محاولات الحكومات معالجة بعض المطالب المادية للمحتجين، إلا أنها أخفقست في استيعاب الهواجس السياسية الأوسع التي تحرك تلك المظاهرات.
وتوضح ديلا بورتا قائلة: "في هذه المرحلة، لم تعد الاحتجاجات تتعلق فقط بضخ المزيد من الاستثمارات في نظام التعليم، بل أصبحت هناك قضايا جوهرية تتضمن أيضاً الإنفاق العسكري، وتحالفات الحكومات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وارتفاع أسعار البنزين، وحرب إيران. كما أن قضية فلسطين تحتل مكانة مركزية للغاية في هذه الاحتجاجات".
وعلى الصعيد الميداني هذا الأسبوع، واصل المحتجون حصار العديد من المدارس الثانوية والجامعات في فرنسا، حيث يطالب الطلاب بتحسين الظروف، وزيادة أعداد المعلمين، وإلغاء نظام "باركورسب" للقبول الجامعي الذي يرى البعض أنه يكرس التمييز.
وفي ألمانيا، دخل عمال قطاع المعادن والكهرباء في إضرابات، بينما تظاهر الطلاب خوفاً من احتمال عودة التجنيد الإجباري. أما في بلجيكا، فنظم رجال الإطفاء مسيرة شوارع في العاصمة بروكسل للمطالبة بزيادة أعداد الموظفين وتحسين المعدات. وفي إيطاليا، جمع اتحاد "يو إس بي" عشرات الآلاف من الأشخاص مطالبين بخفض الإنفاق العسكري.
وفي مدينة بورتو البرتغالية، نظّمت النقابات العمالية تجمعات حاشدة نددت فيها بارتفاع معدلات التضخم وعجز الحكومات المتعاقبة عن كبح جماح الأسعار التي تثقل كاهل الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط. ورفع المتظاهرون شعارات تطالب بزيادة الأجور وتحسين خدمات الرعاية الصحية والتعليم، فضلاً عن إيجاد حلول فورية لأزمة السكن المتفاقمة.

أزمة حرجة وصعبة الحل
أعلن وزير التعليم الفرنسي إدوارد جيفري، يوم الإثنين، عن تبني بعض التدابير لتلبية مطالب الطلاب، بما في ذلك وضع حد أقصى لعدد الطلاب في الفصول الدراسية ليصل إلى 28 طالباً في السنة الأولى من التعليم الثانوي، واستحداث 10 آلاف مقعد في برامج التقنية العليا، وإعادة هيكلة نظام "باركورسب".
وأشار الوزير عبر منصة "إكس" إلى أن التدابير الأخرى تتطلب عملاً متعمقاً من الآن وحتى نهاية شهر ديسمبر. ومع ذلك، فشلت هذه الإعلانات في تهدئة الاحتجاجات؛ ففي يوم الثلاثاء، ظلت عشرات المدارس خاضعة للحصار وتعطل العمل في عدة جامعات، وفقاً لوسائل إعلام فرنسية.
ومن المتوقع أيضاً تنظيم إضراب عام واسع النطاق يوم 5 نوفمبر الجاري للاحتجاج على الأجور وغلاء المعيشة والخدمات العامة، تزامناً مع دعوات نقابية لتنظيم إضرابات عامة ومسيرات واسعة خلال الأسابيع المقبلة للضغط على صانعي القرار واتخاذ تدابير عاجلة لحماية الطبقات العاملة والفئات الهشة من تبعات السياسات التقشفية.
وفي إسبانيا، اجتاحت احتجاجات ضخمة البلاد لأسابيع احتجاجاً على أزمة السكن، والتي اندلعت شرارتها إثر عملية إخلاء قسري أدت إلى وفاة امرأة مسنة تبلغ من العمر 87 عاماً من منزلها الذي عاشت فيه طوال حياتها. ويوم الثلاثاء، قامت الشرطة بتفكيك مخيم واسع النطاق أقيم باستخدام الخيام في ساحة بويرتا ديل






