
بعد غياب طويل عن المسارح التونسية، التقت نجاة أعتابو، مساء السبت، جمهور مهرجان الحمامات الدولي. مسرح ممتلئ، مقاطع غنائية يرددها الجمهور بصوت واحد، أجساد ترقص، وفنانة، بعد أكثر من أربعين عامًا من مسيرتها الفنية، لا تزال تحتفظ بقدرتها النادرة على تحويل الحفل إلى لحظة مشاركة جماعية. أمسية تجسد أيضًا الخيار الجريء لمهرجان لا يكتفي باتباع وصفات التيار التجاري الشرقي السائد.
"لا بريس" هناك أمسيات تفعل أكثر من مجرد ملء المسرح. إنها تروي شيئًا عن المهرجان، عن خياراته، عن جمهوره، وعن قدرته على الخروج عن المألوف. أمسية نجاة أعتابو في الحمامات كانت واحدة من هذه الأمسيات. مهرجان الحمامات الدولي يعدنا حقًا بمواعيد لا تُنسى. إنه لا يتبع دائمًا الطريق الأسهل، طريق البرمجة التي تهيمن عليها الشخصيات الكبيرة في التيار التجاري السائد في الشرق الأوسط. بل يجرؤ على البحث في أماكن أخرى، عن أصوات أخرى، تقاليد موسيقية أخرى، فنانين آخرين بنوا مسيرتهم المهنية على مسارات أقل وضوحًا. دعوة نجاة أعتابو إلى تونس، بعد غياب طويل، كانت جزءًا من هذه الرغبة في اختبار حدود التقليدي مرة أخرى. وقد استجاب الجمهور بحضور قوي.

كانت المدرجات ممتلئة. شعرنا بترقب حقيقي، ولكن الأهم من ذلك، شعور واضح بالبهجة لعودة فنانة لم تطأ المسارح التونسية منذ فترة طويلة. جاء المتفرجون للاستماع إلى أغانيها، بالطبع، ولكن أيضًا لاستعادة الإيقاعات، طريقة الغناء، والموسيقى الشعبية المغربية التي، على الرغم من نجاحها الهائل، تحتل اليوم مساحة أقل على مسارحنا الكبرى مقارنة بالإنتاجات القادمة من أماكن أخرى. مع نجاة أعتابو، دُعيت جغرافيا موسيقية أخرى إلى الحمامات. نجاة أعتابو لا تصعد إلى المسرح ببساطة. بل تصل إليه بطقوس خاصة. فرقتها الموسيقية تبدأ أولاً في عزف الموسيقى. الإيقاع يكون موجودًا بالفعل، تقريبًا قبل وصولها. ثم تطلق الأصوات، عدة مرات، وكأنها في حالة غيبوبة، النداء: "هاي جات نجاة!" وتصل نجاة. استجابة الجمهور فورية وحماسية. لا تحتاج إلى الكثير من الوقت لتسيطر على المسرح. إنها تعرف جمهورها والجمهور يعرفها. الأغاني موجودة في الذاكرة. المقاطع الغنائية تنتقل بشكل طبيعي من طرف إلى آخر في المسرح. يغنون، يرقصون، يصفقون. هناك في هذا اللقاء شيء شعبي عميق، بالمعنى النبيل للكلمة. فنانة لم تسعَ أبدًا لتصنيع صورة متطورة لإغراء المسارح الدولية، وجمهور لا ينتظر منها شيئًا سوى ما هي عليه: نجاة أعتابو. تلك التي تُلقب بـ "لبؤة الأطلس" بنت مسيرتها بعيدًا عن هيمنة الأغنية الشرقية. فرضت نفسها بالموسيقى الشعبية المغربية (الشاوي)، هذه الموسيقى التي تستمد من الحياة اليومية ومن واقع المجتمع. موسيقى تتحدث إلى الناس لأنها تتحدث عنهم. ما يميز نجاة أعتابو أيضًا هو المكانة التي توليها للكلمات. كانت تتمنى أن تكون محامية للدفاع عن حقوق المرأة. قادتها الحياة إلى الموسيقى، لكنها لم تتخل أبدًا عن طموحها الأول: الدفاع، الرواية، إعطاء صوت. تغني وتكتب جزءًا كبيرًا من نصوصها. تتحدث أغانيها عن الحب، العلاقة الزوجية، الخيانة، الانفصال، الظلم، والعلاقات بين الرجال والنساء. لا شيء بعيد عن الحياة الواقعية....






