مع عودة العالم تدريجياً إلى نظام ما قبل الحرب العالمية الثانية، تواجه
جاري التحميل...

مع عودة العالم تدريجياً إلى نظام ما قبل الحرب العالمية الثانية، تواجه
مع عودة العالم تدريجياً إلى نظام ما قبل الحرب العالمية الثانية، تواجه "القوى الوسطى" تحدياً جديداً خطيراً
ألان ليتل، مراسل أول
بي بي سي كنت قد طُلب مني إلقاء كلمة رئيسية في مؤتمر بكلية الصحافة بجامعة كولومبيا. كان ذلك في يناير 2002. قبل أشهر قليلة، اصطدمت طائرتان ببرجي مركز التجارة العالمي، وكان لا يزال بإمكانك أن تشعر بمدى جرح المدينة. كان يمكنك قراءة ذلك في وجوه سكان نيويورك الذين تحدثت إليهم.
في كلمتي، أدليت ببعض الملاحظات الافتتاحية حول ما كانت تعنيه الولايات المتحدة بالنسبة لي. قلت: "لقد ولدت بعد 15 عاماً من الحرب العالمية الثانية، في عالم صنعته أمريكا. إن السلام والأمن والازدهار المتزايد في أوروبا الغربية التي ولدت فيها كان إلى حد كبير إنجازاً أمريكياً."
وتابعت قائلاً إن القوة العسكرية الأمريكية قد انتصرت في الحرب في الغرب. وقد أوقفت التوسع السوفيتي غرباً.
تحدثت بإيجاز عن الأثر التحويلي لخطة مارشال، التي من خلالها منحت الولايات المتحدة أوروبا الوسائل لإعادة بناء اقتصاداتها المدمرة، وإعادة تأسيس مؤسسات الديمقراطية.
لكن المشهد العالمي اليوم يختلف جذرياً عما كان عليه في عام 2002، أو حتى في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية. فالعالم الذي صنعته أمريكا، والذي اتسم بهيمنة القوة الأمريكية ونظام متعدد الأطراف، يتراجع تدريجياً ليحل محله نظام أكثر تعقيداً وتعددية. نشهد عودة لسياسات القوة العظمى، حيث تتنافس دول مثل الصين وروسيا على النفوذ، مما يعيد إلى الأذهان بعض ملامح النظام الدولي ما قبل الحرب العالمية الثانية، حيث كانت القوى الكبرى تتصارع على النفوذ دون وجود هيمنة واضحة لقوة واحدة.
في هذا السياق الجديد، تواجه "القوى الوسطى" تحدياً خطيراً وغير مسبوق. هذه الدول، التي كانت تستفيد من الاستقرار النسبي الذي وفره النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، تجد نفسها الآن في موقف حرج. لم تعد قادرة على الاعتماد بشكل كامل على حماية أو توجيه قوة عظمى واحدة، بل يجب عليها أن تتنقل بحذر بين المصالح المتضاربة للقوى الكبرى، وأن تبحث عن سبل جديدة لضمان أمنها وازدهارها في بيئة جيوسياسية متقلبة.
يتطلب هذا التحول من القوى الوسطى إعادة تقييم شاملة لاستراتيجياتها الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية. قد تضطر إلى بناء تحالفات جديدة، أو تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، أو حتى تبني سياسات خارجية أكثر استقلالية وتوازناً. إن التحدي لا يكمن فقط في التكيف مع بيئة جيوسياسية متغيرة، بل في الحفاظ على صوتها ومصالحها في عالم يميل بشكل متزايد نحو الاستقطاب والتنافس، حيث يمكن أن تُهمش مصالحها بسهولة إذا لم تكن استباقية وذكية في تحركاتها.
إن مستقبل النظام الدولي غير مؤكد، ولكن ما هو واضح هو أن عصر الهيمنة الأحادية قد ولى. ومع تراجع الدور الأمريكي التقليدي، يجب على القوى الوسطى أن تكون مستعدة لمواجهة واقع جديد يتطلب مرونة ودهاءً استراتيجياً غير مسبوقين لضمان بقائها وازدهارها في هذا العالم المتغير. عليها أن تستثمر في الدبلوماسية المتعددة الأطراف، وأن تبني شبكات دعم إقليمية ودولية قوية، وأن تكون مستعدة لاتخاذ قرارات صعبة للحفاظ على استقلاليتها ومكانتها في هذا النظام العالمي الناشئ.
