news.tn
أخبار.تونس - شعار الموقع
عاجل

تكريم محمد القرفي: عندما تفقد الموسيقى أحد أبرز روادها وجسورها الثقافية

تُعدّ رحيل محمد القرفي خسارة لا تخصّ رجلاً فحسب، بل حقبة كاملة من الإبداع الموسيقي والفني في تونس والعالم العربي. كان القرفي قائد أوركسترا وملحنًا وباحثًا موسيقيًا ومسرحيًا، جمع بين هذه الأدوار ببراعة فريدة، مؤمنًا بأن الإبداع لا يكتمل دون ذاكرة عميقة. لقد ترك بصمة عميقة في المشهد الموسيقي، متجاوزًا التصنيفات التقليدية ومقدمًا رؤية شاملة للفن.

Admin User
نُشر في: 15 سبتمبر 2026 في 09:02 م
16 مشاهدة
3 min دقائق قراءة
المصدر: Lapresse.tn
أضف news.tn كمصدر مفضل على Google
0 إعجاب
0 حفظ
0 مشاركة
مشاركة على:
تكريم محمد القرفي: عندما تفقد الموسيقى أحد أبرز روادها وجسورها الثقافية

تكريم محمد القرفي: عندما تفقد الموسيقى أحد أبرز روادها وجسورها الثقافية

تكريم محمد القرفي: عندما تفقد الموسيقى أحد أبرز روادها وجسورها الثقافية

هناك رحيل لا يخص رجلاً فحسب، بل حقبة بأكملها. برحيل محمد القرفي، تختفي شخصية فريدة من مشهدنا الموسيقي: قائد أوركسترا عرف كيف يستمع قبل أن يقود، وملحن فكر في الموسيقى وعلاقتها بالنص والمسرح، وباحث موسيقي أدرك أن الإبداع لا يمكن أن يُبنى دون ذاكرة.

لا براس محمد القرفي كان ينتمي إلى تلك العائلة من الفنانين الذين لا يُعرفون ببريق حضورهم بقدر ما يُعرفون بعمق بصمتهم.

على مدى عقود، عبر الموسيقى التونسية والعربية دون أن يسمح لنفسه بالانغلاق في تعريف واحد. قائد أوركسترا، ملحن، باحث، معلم، رجل مسرح: تداخلت الوظائف لديه دون أن تطغى أبدًا على الجوهر، الذي ظل الموسيقى.

موسيقى مدروسة، مبنية، ومصقولة. موسيقى تتطلب من المؤدين والنصوص والأشكال أن تكون على مستوى ما يمكن أن تحمله.

هذا بلا شك ما يجعل مسيرته ثمينة للغاية اليوم. كان القرفي جزءًا من هؤلاء الموسيقيين الذين لم تكن الأوركسترا بالنسبة لهم مجرد مجموعة من الآلات، بل مادة حية. كان في طريقة عمله هذه الرغبة في إعطاء الموسيقى بنية، نفسًا، وعمقًا.

اسمه لا يزال مرتبطًا بمغامرة تستحق أن تُذكر أكثر: مغامرة المسرح الغنائي في تونس.

في ثمانينيات القرن الماضي، بينما كانت العلاقات بين الموسيقى والمسرح والعرض لا تزال تبحث عن توازنها الخاص، انخرط محمد القرفي في هذا المسار بطموح فني حقيقي.

يشكل عمله مع المخرج بشير دريسي فصلاً مهمًا بشكل خاص. تعاوناتهما حول الأعمال الأوركسترالية والأوبريتات تنتمي إلى تاريخ العرض التونسي حيث لم تكن الموسيقى مجرد زينة للمسرح، بل كانت أحد محركاته الأساسية.

بين الملحن والمخرج، انفتحت مساحة حيث يمكن للنص والصوت والأوركسترا والحركة والدراما أن تتفاعل. طريقة لجعل العرض عملاً شاملاً، قبل أن تأتي التصنيفات والتقسيمات لتفصل التخصصات غالبًا. تترك هذه الفترة ذكرى إبداع استغرق وقتًا للبحث عن شكله.

وكان محمد القرفي يتمتع بهذه الميزة النادرة في معرفة كيفية التعامل مع الموسيقى بجدية دون أن يسلبها قدرتها على إثارة العاطفة.

كان لديه علاقة خاصة بالذاكرة. ليست تلك الذاكرة الجامدة التي تحول التراث إلى قطعة متحفية، بل ذاكرة نشطة، قادرة على تغذية الإبداع المعاصر. يشهد على ذلك عمله كباحث موسيقي. أبحاثه حول الموسيقى الكلاسيكية التونسية، حول الأشكال الآلية، وحول المسرح الغنائي العربي، استجابت لضرورة تتجاوز بكثير المجال الأكاديمي: فهم من أين تأتي الموسيقى لمعرفة إلى أين يمكن أن تذهب.

هذا النهج يفسر أيضًا اهتمامه بالشعر وبأصوات الأدب العربي الكبيرة. تلحين أعمال محمود درويش، أبو القاسم الشابي، أحمد فؤاد نجم، سعيد عقل أو منور صمادح، لم يكن مجرد اختيار نصوص جميلة. بل كان مواجهة الموسيقى بكلمات مشحونة بالتاريخ، الذاكرة، الثورة، الحب والانتماء. كان ذلك تداولاً للشعر بطريقة مختلفة.

لم يفكر محمد القرفي أبدًا في الموسيقى التونسية كمنطقة مغلقة. حملته مسيرته نحو شخصيات كبيرة في الإبداع العربي، من الأخوين الرحباني إلى مارسيل خليفة، ومن جوليا بطرس إلى علي الحجار. كما رافق فنانين تونسيين تجاوزت أصواتهم حدودنا بكثير، منهم ذكرى محمد، سنية مبارك أو درصاف الحمداني.

ما يلفت الانتباه، بالنظر إلى الوراء، ليس قائمة الأسماء بقدر ما تكشفه: كان القرفي جسرًا. بين الأجيال. بين المرجعيات. بين الموسيقى الأكاديمية والأغنية. بين تونس والعالم العربي. بين المعرفة الجامعية والمسرح. كان ينتمي إلى حقبة حيث كان الموسيقي لا يزال قادرًا على أن يكون كل هذا في آن واحد. ربما هنا يكمن المقياس الحقيقي لإرثه. ليس فقط في الأعمال التي ألفها أو قادها. ليس فقط في الأبحاث المنشورة. ليس فقط في الفنانين الذين رافقهم. بل في فكرة معينة عن الموسيقى.

التصنيفات:

طبيعة الخبر: محايد
هذا الخبر يقدم معلومات محايدة

الكلمات المفتاحية(2)

التعليقات

News.tn يقدم مجموعة من الأخبار المستقاة من مجموعة واسعة من المصادر الإخبارية غير العربية. يجب التنويه أن المحتوى المقدم لا يعكس بالضرورة معتقداتنا وأفكارنا كمالكي الموقع. ما هو تقييمك للمعلومات المقدمة في المقال؟

مقالات ذات صلة