يمر العالم بواحد من أكبر التحولات الديموغرافية في تاريخه؛ إذ يعيش نحو ثلثي البشرية الآن في دول تنخفض فيها معدلات الخصوبة إلى مستويات غير كافية لكي يحل كل جيل محل الجيل الذي سبقه. ونتيجة لذلك، تشهد القوى العاملة شيخوخة سريعة في معظم أنحاء العالم، بينما بدأ عدد السكان بالانكماش بالفعل في أجزاء من أوروبا.
وإحدى طرق قياس الشيخوخة تتمثل في النظر إلى نسبة إعالة كبار السن، وهو مؤشر ديموغرافي يقيس عدد الأشخاص في سن العمل (من 15 إلى 64 عامًا) مقارنة بعدد كبار السن المتقاعدين (65 عامًا فما فوق). وبحلول عام 2035، على سبيل المثال، سيرتفع مؤشر إعالة كبار السن في إيطاليا من نسبة مرتفعة حاليًا تبلغ 39% إلى 50%، بينما تأتي اليونان والبرتغال وإسبانيا في مراكز قريبة للغاية خلفها.
ويجري تحول ديموغرافي مماثل في أمريكا اللاتينية، بما في ذلك كوبا وبورتوريكو وكوستاريكا وكولومبيا. وقبل عقود قليلة فقط، كانت هذه الدول تضم أعدادًا أقل بكثير من كبار السن مقارنة بأوروبا، مما جعل نسب إعالة كبار السن فيها منخفضة. أما الآن، فإنها تلحق بأوروبا في هذا المؤشر.
وفي بعض أجزاء من آسيا، تزداد المخاوف الديموغرافية حدة نظريًا لأن التوقعات تشير إلى أن شيخوخة السكان ستكون أسرع مما هي عليه في أوروبا وأمريكا اللاتينية، ولا سيما في الصين وكوريا الجنوبية وتايوان وثايلاند. وبحلول عام 2035، من المتوقع أن ترتفع نسبة إعالة كبار السن في الصين من 21% إلى ما يقارب 34%، في حين يُتوقع أن تتجاوز 55% في هونغ كونغ.
أما في أمريكا الشمالية، فسيواصل عدد السكان النمو وسيشيخ بدرجة أكثر اعتدالاً، ويعزى ذلك أساسًا إلى الهجرة. ففي الولايات المتحدة، تُظهر التوقعات أن نسبة إعالة كبار السن سترتفع من حوالي 28.8% حاليًا إلى نحو 34% بحلول عام 2035. وستحدد سياسات الهجرة المدى الدقيق للتغير السكاني ومستوى الشيخوخة في البلاد.
إن التداعيات المترتبة على هذا الاتجاه العالمي واسعة النطاق، ومقلقة بالنسبة للكثيرين. وكما يصرح صندوق النقد الدولي بوضوح: بالنسبة للدول التي يتوفر فيها عدد أقل من العمال وتنخفض فيها معدلات المشاركة في القوة العاملة، فإن الناتج الاقتصادي سيتراجع حتمًا. وتأتي توقعات أخرى محذرة من الضغوط على مستويات المعيشة والمشاكل المالية والتحديات الاجتماعية الأوسع لترسم صورة قاتمة مماثلة. كما ستؤثر الشيخوخة على السياسة والديناميكيات الاجتماعية بطرق متعددة وغير متوقعة غالبًا، مما يفتح تصدعات جديدة في المجتمع. ومع ذلك، يمكن للتغير الديموغرافي أن يخلق فرصًا أيضًا، خاصة في المجتمعات التي تستطيع مؤسساتها التكيف وإجراء الاستثمارات التكنولوجية المناسبة.
إن هذه التحديات تعد تحولات تاريخية حاسمة؛ ولا يمكننا تحمل التهاون أو التقاعس، لكن التهويل وإثارة الذعر ليس أمرًا مبررًا أيضًا، إذ إن العديد من العواقب المترتبة على شيخوخة السكان ليست بالسوء الذي يفترضه ويدعيه الكثيرون.
تكاليف الشيخوخة ومنافعها
لنبدأ بالسياسة.
تؤدي شيخوخة السكان إلى نقل ميزان القوة الانتخابية لصالح الأجيال الأكبر سنًا، مما يعقد سياسات المعاشات التقاعدية. وتبدو الرهانات مرتفعة بشكل خاص في إيطاليا والبرتغال وإسبانيا، حيث تتضخم التزامات المعاشات التقاعدية العامة ومن المتوقع أن تتجاوز 15% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2045.
كما قد يجعل مجتمع المسنين من الصعب التوصل إلى توافق حول الاستثمارات ذات النظرة المستقبلية التي قد تستغرق عقودًا تؤتي أكلها، مثل الاستثمارات الضرورية للانتقال الأخضر الأكثر اكتمالاً. وقد أشار بعض الباحثين إلى الفجوة العمرية في تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ ففي استفتاء عام 2016 بشأن ما إذا كان ينبغي لبريطانيا مغادرة الاتحاد الأوروبي، اختار معظم الناخبين البريطانيين الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فما فوق الخروج، بينما صوت الشباب تحت سن 25 عامًا بأغلبية ساحقة لصالح البقاء.
ومع ركود السكان أو تراجع أعدادهم في أوروبا وأجزاء من آسيا، وتزايد فئة الشباب السكانية في أفريقيا، سيزداد الضغط لصالح الهجرة الدولية أيضًا. وتوحي التجارب الأخيرة بأنه يمكن للهجرة أن تصبح مصدرًا أكبر للتوترات السياسية. وهذه مخاوف مشروعة، لكن الصورة ليست قاتمة تمامًا؛ فالشيخوخة تصحبها حياة أطول وأكثر صحة. وإن احتمال قضاء سنوات أكثر صحة يعزز الآفاق المستقبلية لجميع الفئات العمرية في المجتمع، وقد يشكل أساسًا للتحالفات الجديدة التي تدعم الاستثمارات العامة للمستقبل والحاضر.






