أوروبا في مواجهة
جاري التحميل...

أوروبا في مواجهة
تحليل - يدفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاتحاد الأوروبي بقوة نحو تفعيل "سلاحه المضاد للإكراه"، وهي أداة مصممة لمواجهة الإجراءات القسرية من قبل دول ثالثة. لكن استخدام هذه الأداة محفوف بمخاطر جسيمة، نظراً لحجم الاعتماد الهائل للقارة العجوز على القوة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية. ففي ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة، قد يؤدي أي تصعيد في العلاقات عبر الأطلسي إلى عواقب وخيمة على الأمن والاستقرار الاقتصادي لأوروبا.
لا يمكن الدفاع عن دونالد ترامب بأي حال من الأحوال. ففظاظته الصارخة، وابتذاله في الخطاب السياسي، وعدم مسؤوليته الواضحة في تهديد وتدمير حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي لطالما خدم المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للولايات المتحدة نفسها، كلها أمور تبعث على القلق الشديد. إن هذه التصرفات لا تقوض فقط أسس التحالفات التاريخية، بل تضعف أيضاً الجبهة الغربية الموحدة في مواجهة التحديات العالمية. لذا، بات من الضروري أن تجد أوروبا استراتيجية فعالة لمواجهة هذه التحديات المتجددة.
إن الأصوات التي تتعالى مطالبة بـ "التحلي بالقوة"، و"إخراج البازوكا" لفرض عقوبات مؤلمة على الولايات المتحدة، تبدو جذابة في ظاهرها. لكن هذه الدعوات، رغم بلاغتها، تبدو غير مناسبة للزمان الحالي. فالمستشارون الذين يدفعون في هذا الاتجاه قد لا يكونون هم من سيدفع الثمن الحقيقي لهذه المواجهة. إن العلاقات الاقتصادية والمالية المعقدة بين أوروبا والولايات المتحدة تجعل من أي حرب تجارية أو عقوبات متبادلة أمراً كارثياً على الطرفين، خاصة على الاقتصادات الأوروبية التي تعتمد بشكل كبير على السوق الأمريكية والاستثمارات المتبادلة.
من السهل جداً، وإن كان صحيحاً، وصف دونالد ترامب بـ "الفظ"، كما فعل الرئيس إيمانويل ماكرون. ومن الرائع أيضاً الادعاء بأنه "لا يجب الاستسلام للفظاظة". وقد يرى البعض أن أوروبا، تحت قيادة أورسولا فون دير لاين، كانت متساهلة للغاية، وساذجة في اعتقادها أنها تستطيع ترويض ترامب الفظيع بالدبلوماسية اللينة. لكن الواقع أكثر تعقيداً من هذه التبسيطات. فالعلاقات الدولية لا تُدار بالتهديدات المباشرة وحدها، بل تتطلب فهماً عميقاً للمصالح المتشابكة ونقاط القوة والضعف لكل طرف.
إن النظرية القائلة بأن إدراك "الفظ" بأنه سيعاني إذا لم يوقف عدوانه هو السبيل الوحيد لاستعادة بعض الاستقرار في العلاقات عبر الأطلسي، قد تبدو منطقية على الورق. لكن تطبيقها في الممارسة العملية ينطوي على مخاطر هائلة. فالمواجهة المباشرة قد تؤدي إلى تصعيد غير محسوب، وتعميق الشرخ بين الحلفاء التقليديين، مما يخدم مصالح القوى المنافسة. يجب على أوروبا أن تسعى جاهدة لإيجاد توازن دقيق بين الدفاع عن مصالحها وقيمها، والحفاظ على علاقات عمل بناءة مع شريك استراتيجي لا غنى عنه، حتى لو كان هذا الشريك يقوده شخصية مثيرة للجدل مثل دونالد ترامب. إن بناء استراتيجية أوروبية متماسكة تتجاوز ردود الفعل العاطفية وتستند إلى تحليل واقعي للمصالح المشتركة والمخاطر المحتملة، هو السبيل الوحيد لضمان مستقبل مستقر للقارة العجوز في عالم متغير.

