
بين الذاكرة الحميمة والتاريخ الجماعي، يكشف معرض حكاية عرض فردي عن عالم صدوق قماش الفني الحساس والإنساني العميق، وهو أحد الشخصيات المؤسسة للفن التونسي الحديث.
جريدة لابراس من خلال مجموعة مختارة من الأعمال التي تمتد على مدى عدة عقود من الإبداع، يدعو معرض حكاية إلى إعادة اكتشاف مسيرة فنان تركت رؤيته بصمة دائمة على المشاهد الفنية المتوسطية والعربية. يمكن زيارة المعرض من 31 مايو إلى 15 يوليو 2026 في غاليري الكمان الأزرق.
يكرم معرض حكاية عرض فردي الفنان صدوق قماش (1940-2024)، وهو فنان بارز من جيل ما بعد استقلال تونس، حيث رافق عمله وشكل ظهور حداثة فنية متجذرة بعمق في عصره. من خلال مجموعة من الأعمال الرمزية التي نادراً ما عُرضت، يتتبع هذا المعرض مسيرة فنية استثنائية، بُنيت على مدى أكثر من خمسة عقود من البحث والتجريب والحوار مع العالم.
ولد صدوق قماش في سياق تحولات سياسية وثقافية عميقة، وينتمي إلى جيل الفنانين الذين سعوا إلى ابتكار لغة بصرية تونسية جديدة بعد الاستقلال. يقع عمله عند تقاطع عدة محاور: الذاكرة والنسيان، اللفتة الحميمة والسرد الجماعي، التقاليد والتجريد المعاصر. تكشف أعماله، التي تتخللها حساسية لونية كبيرة وتوتر شعري مستمر، عن تأمل عميق في الهوية والزمن والتوارث.
على مر العقود، طور قماش أسلوباً فنياً فريداً، يمكن التعرف عليه من خلال تركيباته النقية، ومواده النابضة بالحياة، وعلاقته الغريزية باللون والضوء. بصفته أحد المؤسسين المشاركين لـ مجموعة الستة ثم مجموعة السبعين، لعب صدوق قماش دوراً حاسماً في هيكلة وتجديد المشهد الفني التونسي المعاصر. ساهمت هذه المجموعات في فتح آفاق جديدة للتفكير الجمالي وإدراج الإبداع التونسي ضمن ديناميكيات دولية. قادته مسيرته الفنية إلى ما وراء الحدود التونسية، من خلال إقامات فنية في باريس وبرلين، بالإضافة إلى مشاركته في العديد من الفعاليات الدولية الكبرى، أبرزها بينالي ساو باولو وميلانو.
يقدم معرض حكاية انغماساً في هذا العالم الفني الغني ويسلط الضوء على الأبعاد المتعددة لعمله: التجريب الشكلي، وذاكرة الأماكن، وقوة الصمت، وكذلك السعي الدائم للغة عالمية قادرة على ربط الخاص بالعام.
أكثر من مجرد استعراض لأعمال سابقة، يظهر هذا المعرض كرحلة حساسة عبر تاريخ تونس الحديث من خلال نظرة فنان لم يتوقف عن مساءلة العالم، وتصدعاته، وتحولاته. إنه يحتفي بالإرث الحي لصدوق قماش والمدى الخالد لعمل يستمر اليوم في إلهام أجيال جديدة من الفنانين والمفكرين.
وبذلك، فإن حكاية دعوة للدخول إلى عمل فني تسكنه الذاكرة والحركة والشعر عمل حيث يصبح كل شكل، وكل لون، وكل صمت حاملاً للتاريخ.

