مدير مركز دراسات: ماكرون يسعى لدور فرنسي
جاري التحميل...

مدير مركز دراسات: ماكرون يسعى لدور فرنسي
صرح ماهر نقولا، مدير المركز الأوروبي الآسيوي للدراسات في باريس، بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لا يُظهر اهتمامًا حقيقيًا بالملف اللبناني، مؤكدًا أن تحركاته الأخيرة في المنطقة تندرج ضمن سعيه الحثيث لابتكار دور فرنسي خاص في الشرق الأوسط، مدفوعًا بدوافع وصفها بـ "الأنانية". تأتي هذه التصريحات لتسلط الضوء على طبيعة التدخل الفرنسي في منطقة تشهد توترات جيوسياسية معقدة، وتثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية وراء الدبلوماسية الباريسية.
وأوضح نقولا، خلال مداخلة له في برنامج عن قرب مع أمل الحناوي الذي يُبث على قناة القاهرة الإخبارية وتقدمه الإعلامية أمل الحناوي، أن السياسات الفرنسية تجاه دول مثل سوريا ولبنان وإسرائيل لا تنبع من حرص صادق على مصالح هذه الدول أو استقرارها الإقليمي. بل هي، في جوهرها، محاولة مكشوفة لحماية وتعزيز المصالح الفرنسية البحتة، حتى وإن جرى تغليف هذه المساعي بخطاب سياسي يوحي بالدفاع عن القومية الفرنسية أو دعم الشعوب المقهورة. هذا التكتيك، بحسب نقولا، يهدف إلى إضفاء شرعية على تدخلات قد لا تكون في صالح المنطقة على المدى الطويل.
وأشار مدير المركز الأوروبي الآسيوي إلى أن خطاب ماكرون يتسم أحيانًا بنبرة معادية لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وفي أحيان أخرى يتبنى مواقف نقدية تجاه إسرائيل. هذا التذبذب في المواقف يعكس رغبة باريس في الظهور كلاعب مستقل على الساحة الدولية، قادر على اتخاذ قراراته بعيدًا عن الإملاءات الأمريكية أو الأوروبية المشتركة. ومع ذلك، يرى نقولا أن هذه الاستقلالية المزعومة لا تستند إلى رؤية ثابتة أو متسقة تجاه قضايا المنطقة المعقدة، مما يجعل الدور الفرنسي يبدو متقلبًا وغير موثوق به في عيون العديد من الأطراف الإقليمية والدولية.
تاريخيًا، تمتلك فرنسا روابط عميقة مع لبنان تعود إلى فترة الانتداب، وقد سعت باريس دائمًا للحفاظ على نفوذها الثقافي والاقتصادي والسياسي هناك. وبعد انفجار مرفأ بيروت المأساوي في عام 2020، كان ماكرون أول زعيم عالمي يزور لبنان، متعهدًا بتقديم الدعم والمساعدة. ومع ذلك، يرى النقاد أن هذه التحركات، رغم أهميتها الظاهرية، لم تكن كافية لإحداث تغيير جوهري في الأزمة اللبنانية، بل ربما كانت جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تأكيد الوجود الفرنسي في منطقة تتنافس عليها قوى إقليمية ودولية متعددة.
إن المصالح الفرنسية في الشرق الأوسط تتجاوز الجانب الإنساني أو الثقافي؛ فهي تشمل مصالح اقتصادية حيوية، لا سيما في قطاعات الطاقة والدفاع، بالإضافة إلى طموحات جيوسياسية لتعزيز مكانة فرنسا كقوة عالمية مؤثرة. هذا السعي لتحقيق المصالح الذاتية، دون إيلاء اهتمام كافٍ لمصالح الدول المعنية، يمكن أن يؤدي إلى تفاقم التوترات القائمة وإعاقة جهود الحلول المستدامة. فالتدخلات التي تفتقر إلى رؤية شاملة وتعتمد على أجندات ضيقة قد تزيد من تعقيد المشهد بدلاً من تبسيطه.
وفي سياق أوسع، فإن محاولات ماكرون لإظهار فرنسا كقوة مستقلة قد تؤثر أيضًا على وحدة الموقف الأوروبي تجاه الشرق الأوسط. فبينما تسعى بعض الدول الأوروبية إلى تبني نهج موحد، قد تؤدي السياسات الفرنسية المنفردة إلى تشتيت الجهود وتقويض فعالية الدبلوماسية الأوروبية ككل. إن التحديات التي تواجه المنطقة، من الصراعات المستمرة إلى الأزمات الإنسانية، تتطلب تعاونًا دوليًا حقيقيًا ورؤية مشتركة، وليس تنافسًا على النفوذ أو تحقيق مكاسب فردية.
في الختام، يرى ماهر نقولا أن النهج الفرنسي الحالي، بقيادة إيمانويل ماكرون، يفتقر إلى العمق والاتساق اللازمين لمعالجة قضايا الشرق الأوسط بفعالية. فبدلاً من أن تكون فرنسا وسيطًا نزيهًا أو شريكًا موثوقًا به، فإنها تخاطر بأن تُنظر إليها كقوة تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب استقرار المنطقة وشعوبها. إن بناء الثقة يتطلب شفافية والتزامًا بمبادئ العدالة والمصالح المشتركة، وهو ما يبدو غائبًا عن السياسة الفرنسية الراهنة في هذه المنطقة الحيوية من العالم.
