مبادرة سويسرية لتقليص تمويل الإعلام العام: اتهامات بالانحياز اليساري
جاري التحميل...

مبادرة سويسرية لتقليص تمويل الإعلام العام: اتهامات بالانحياز اليساري
يتطلب الأمر جرعة كبيرة من الاقتناع لرؤية اليد الخفية لليسار حتى في السحب. ومع ذلك، هذا ما ادعاه توماس ماتر منذ عام 2023. فوفقاً له، كانت توقعات الطقس للتلفزيون السويسري العام الناطق بالألمانية (SRF) مُوجهة عن عمد لتعزيز الذعر المناخي والترويج لأجندة الأحزاب المهتمة بالموضوع مثل الحزب الاشتراكي السويسري وحزب الخضر. فهل كانت درجات الحرارة مرتفعة جداً لدرجة يصعب تصديقها؟
لم يكن أحد ليلحظ هذا التجاوز الجديد على شبكات التواصل الاجتماعي لو كان الرجل الذي يقف وراءه مجرد منظّر مؤامرة عادي. لكن توماس ماتر يتمتع بملف شخصي غني للغاية. في التاسعة والخمسين من عمره، يمتلك هذا الممول الزيوريخي مجموعة استثمارية حول البنك الذي أسسه، بنك هيلفيتيشه (Helvetische Bank). إنه ليس فقط صاحب الترتيب 278 بين أغنياء سويسرا، بثروة تقدر بـ 225 مليون فرنك سويسري (249 مليون يورو)، بل هو أيضاً نائب رئيس حزب الشعب السويسري (UDC)، الحزب الأول في البلاد، وهو حزب قومي ومناهض لأوروبا. وأخيراً، هو أحد أكثر النواب تأثيراً في البرلمان الفيدرالي في برن، ويشارك في العديد من جماعات الضغط ومجالس الإدارة.
تأتي هذه المبادرة في سياق أوسع من الانتقادات التي يوجهها حزب الشعب السويسري للإعلام العام، والذي يرى أنه يفتقر إلى الحياد ويعكس وجهات نظر يسارية وليبرالية بشكل مفرط. يجادل الحزب بأن التمويل العام الضخم الذي تتلقاه هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية (SRG SSR) يمنحها ميزة غير عادلة على وسائل الإعلام الخاصة، ويؤدي إلى تضخيم أصوات معينة على حساب أخرى. وتطالب المبادرة بتقليص كبير في الرسوم الإلزامية التي يدفعها المواطنون لدعم الإعلام العام، مما سيؤثر بشكل مباشر على قدرة القنوات على إنتاج محتوى متنوع وذو جودة عالية بأربع لغات وطنية (الألمانية والفرنسية والإيطالية والرومانشية).
لطالما كانت قضية تمويل الإعلام العام مثار جدل في سويسرا، وهي دولة تتميز بتنوعها اللغوي والثقافي. ففي عام 2018، رفض الناخبون السويسريون بأغلبية ساحقة مبادرة "لا بيلاغ" (No Billag) التي كانت تهدف إلى إلغاء الرسوم الإلزامية للإعلام العام بالكامل. ومع ذلك، لم تتوقف الانتقادات، ويستمر حزب الشعب السويسري في الضغط من أجل إصلاحات جذرية. يرى مؤيدو الإعلام العام أن دوره حيوي في تعزيز التماسك الوطني وتوفير معلومات موثوقة ومحايدة، خاصة في المناطق اللغوية الأصغر التي قد لا تكون جذابة تجارياً لوسائل الإعلام الخاصة. كما يؤكدون على أهمية الإعلام العام في تغطية الأحداث السياسية المحلية والدولية بعمق، وتقديم برامج ثقافية وتعليمية لا يمكن لوسائل الإعلام التجارية توفيرها بنفس الجودة والشمولية.
إن التصويت المرتقب يوم الأحد ليس مجرد استفتاء على تمويل الإعلام، بل هو أيضاً اختبار لمفهوم الخدمة العامة في سويسرا. فبينما يرى البعض أن تقليص التمويل سيؤدي إلى إعلام أكثر كفاءة وتنوعاً، يخشى آخرون من أن ذلك سيضعف الديمقراطية المباشرة ويقلل من جودة النقاش العام، خاصة في ظل تزايد انتشار الأخبار المضللة والتحديات التي تواجه الصحافة المستقلة في جميع أنحاء العالم. ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان الناخبون السويسريون سيختارون تقليص دور الإعلام العام أم سيؤكدون على أهميته كركيزة أساسية للمجتمع الديمقراطي المتعدد اللغات.
