بين عشية وضحاها، وجدت بلدة بريسي-سور-تيل الصغيرة (1100 نسمة)، التي كانت تعتقد أنها تتجهز لمواجهة الهجمات السيبرانية، نفسها مطالبة بدفع أكثر من 38 ألف يورو... في جميع أنحاء فرنسا، وقع عشرات رؤساء البلديات الريفية في فخ عقود تكنولوجيا المعلومات أو الإنترنت باهظة الثمن والتي يستحيل إلغاؤها.
أين وُضِع هذا الصندوق اللعين؟ في بريسي-سور-تيل (كوت دور)، وهي بلدة سكنية تبعد 15 كيلومترًا عن ديجون، يبحث رئيس البلدية، ليونيل سانشيز، المستقل الذي انتُخب عام 2020، في خزائن البلدية. استغرقت عشر دقائق جيدة للعثور على هذا الصندوق السيبراني الذي يحرص على إظهاره. كان الجهاز، الذي سُلِّم قبل ثلاث سنوات، من المفترض أن يحمي المجتمع المحلي من مخاطر الجرائم السيبرانية. لكنه سرعان ما أُهمل لأنه كان يبطئ أجهزة الكمبيوتر. ومع ذلك، فإن هذا الجهاز عديم الفائدة، بالإضافة إلى أجهزة أخرى، كاد أن يكلف هذه البلدة التي يبلغ عدد سكانها 1100 نسمة ثروة صغيرة.
تُعد قصة بريسي-سور-تيل ليست حادثة فردية، بل هي جزء من مشكلة أوسع تؤثر على العديد من البلديات الريفية في فرنسا. ففي ظل التطور السريع للتكنولوجيا الرقمية وزيادة التهديدات السيبرانية، تسعى هذه البلديات، التي غالبًا ما تفتقر إلى الموارد والخبرة التقنية، إلى حماية أنظمتها وبياناتها. هذا النقص في الخبرة يجعلها أهدافًا سهلة لشركات عديمة الضمير تقدم عقودًا معقدة ومكلفة لخدمات أو أجهزة لا تلبي احتياجاتها الحقيقية، أو تكون غير فعالة على الإطلاق.
يواجه رؤساء البلديات الريفية ضغوطًا متزايدة لرقمنة خدماتهم وتحسين أمنهم السيبراني، لكنهم غالبًا ما يفتقرون إلى الموظفين المتخصصين القادرين على تقييم العروض التقنية المعقدة. تستغل الشركات المحتالة هذه الثغرة، حيث تقدم عروضًا مغرية في البداية، ثم تفرض رسومًا خفية أو بنودًا تعاقدية تجعل إلغاء العقد مستحيلًا أو مكلفًا للغاية. والنتيجة هي أن البلديات تجد نفسها ملتزمة بعقود طويلة الأجل لأجهزة وبرامج لا تستخدمها، أو التي تسبب مشاكل أكثر مما تحل.
في حالة بريسي-سور-تيل، كان الصندوق السيبراني مجرد مثال واحد على الأجهزة التي تم شراؤها تحت ذريعة الحماية السيبرانية. هذه الأجهزة، التي غالبًا ما تكون ذات جودة رديئة أو غير متوافقة مع الأنظمة الحالية، لا توفر الحماية الموعودة، بل قد تعيق العمليات اليومية للبلدية. ومع ذلك، فإن العقود المبرمة تجعل من الصعب على البلديات التخلص من هذه الأعباء المالية، مما يؤثر سلبًا على ميزانياتها المحدودة التي كان من الممكن استخدامها في مشاريع تنموية حقيقية تخدم السكان.
تتطلب هذه المشكلة تدخلًا على مستوى وطني لتوفير الدعم والإرشاد للبلديات الصغيرة. يجب أن تكون هناك هيئات حكومية أو منظمات غير ربحية تقدم المشورة التقنية والقانونية لرؤساء البلديات، وتساعدهم على فهم العقود الرقمية وتقييم الحلول الأمنية بشكل صحيح. كما يجب تشديد الرقابة على الشركات التي تستهدف البلديات بعقود مشبوهة، وفرض عقوبات صارمة على ممارسات الاحتيال.
إن حماية البلديات الريفية من هذه الممارسات الاحتيالية ليست مجرد مسألة مالية، بل هي أيضًا مسألة ثقة في الإدارة المحلية وقدرتها على خدمة مواطنيها بفعالية. يجب أن تكون الموارد المخصصة للتكنولوجيا الرقمية استثمارًا حقيقيًا في المستقبل، وليس عبئًا يثقل كاهل المجتمعات المحلية ويستنزف أموال دافعي الضرائب.





