غياب الأيديولوجيات المنظمة في الدول العربية: كيف يمهد الطريق لصعود الإسلام السياسي؟
جاري التحميل...

غياب الأيديولوجيات المنظمة في الدول العربية: كيف يمهد الطريق لصعود الإسلام السياسي؟
في العديد من الدول العربية، لطالما قدمت السلطة السياسية نفسها على أنها "فوق الأيديولوجيات". فباسم الاستقرار، والأمن القومي، ومكافحة التطرف، قامت الأنظمة الاستبدادية بشكل منهجي بتحييد أو حظر أو إضعاف القوى الأيديولوجية المنظمة: أحزاب اليسار، والحركات النقابية المستقلة، والتيارات الليبرالية المنظمة. هذه الاستراتيجية، التي تُقدم على أنها براغماتية، تستند إلى وهم كبير: فكرة أن المجتمع يمكن أن يعمل بدون أيديولوجيا. (صورة: مظاهرة مؤيدة لسعيد، 17 ديسمبر 2025 في تونس).
زهير بن عمر *

يُظهر التاريخ السياسي أنه عندما تُستبعد جميع الأيديولوجيات الصريحة، فإننا لا نلغي الأيديولوجيا؛ بل نفرض أيديولوجيا أخرى، ضمنية، وغالبًا ما تكون دينية.
في المجتمعات التي تُشكل فيها الديانة بالفعل المخيلة الجماعية، تتخذ هذه الأيديولوجيا الافتراضية شكل الإسلام السياسي بشكل شبه آلي. والمثال التونسي في هذا الصدد نموذجي: فبعد ثلاثة وعشرين عامًا من التحييد المنهجي لليسار وكل حياة أيديولوجية مستقلة في عهد زين العابدين بن علي، شهدت ثورة 2011 ظهورًا سريعًا لحركة النهضة، التي أصبحت القوة السياسية المهيمنة.
يدافع هذا المقال عن فكرة أن اليسار بمفهومه كتقليد نقدي واجتماعي وعقلاني يشكل الثقل الموازن الوحيد القادر على تخفيف حدة الدوغمائية الدينية في المجتمعات العربية، ليس عن طريق القمع، بل من خلال إنتاج المعنى، والعدالة الاجتماعية، والمواطنة.
استحالة وجود مجتمع بلا أيديولوجيا
ذكّر لويس ألتوسير بأن الأيديولوجيا ليست مجرد مجموعة من الأفكار، بل هي بنية تنظم علاقة الأفراد بواقعهم الاجتماعي (ألتوسير، الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية، 1970). وبهذا المعنى، لا يمكن لأي مجتمع بشري الاستغناء عنها. وبالتالي، فإن السؤال ليس عما إذا كانت هناك أيديولوجيا، بل أي أيديولوجيا ستكون.
في المجتمعات العربية، تلعب الديانة تاريخيًا دورًا هيكليًا: فهي تنظم الوقت، والمعايير الاجتماعية، والطقوس، وجزءًا من الأخلاق الجماعية. وعندما تحظر الدولة الأيديولوجيات السياسية الحديثة الاشتراكية، الليبرالية، القومية النقدية فإنها لا تفعل شيئًا سوى ترك الديانة تحتل الفراغ الأيديولوجي الشاغر.
أوضحت حنا أرندت أن الأنظمة الاستبدادية تدمر الوساطات الفكرية والاجتماعية التي تسمح للأفراد بالتفكير سياسيًا (أصول الشمولية، 1951). وبمجرد تدمير هذه الوساطات، يصبح عودة الديني كإطار شمولي أمرًا لا مفر منه تقريبًا، لأنه يقدم إجابات بسيطة لمجتمعات محرومة من النقاش.
بن علي أو صناعة إسلاموية كامنة
يُجسد نظام بن علي هذه الدينامية بشكل مثالي. فالدولة التونسية، التي كانت علمانية حداثية ومعادية للإسلام السياسي رسميًا، قامت في الواقع باجتثاث كل حياة أيديولوجية مستقلة، وخاصة اليسار النقابي أو الماركسي أو الاشتراكي الديمقراطي. كانت الأحزاب موجودة شكليًا، لكنها كانت مجردة من أي قدرة فعلية على العمل.
حركة النهضة، التي كانت محظورة ولكن لم تُحارب أيديولوجيًا على الصعيد الفكري، نجت في شكل منتشر: شبكات خيرية، مساجد، تضامنات غير رسمية، ومنفى أيديولوجي. وكما يوضح أوليفييه روا، يزدهر الإسلاموية ليس بسبب الإفراط في التدين بقدر ما يزدهر بسبب غياب المنافسة الأيديولوجية الموثوقة (فشل الإسلام السياسي، 1992).
وهكذا، عندما انهار الجهاز القمعي في عام 2011، كان التيار الوحيد الذي يمتلك رأس مال رمزي وتنظيمي وأخلاقي هو الإسلاموية. أما اليسار، الذي كان ضعيفًا ومهمشًا، وغالبًا ما كان منفصلاً عن الطبقات الشعبية، فلم يتمكن من أداء دوره التاريخي كوسيط اجتماعي.
الإسلاموية كأيديولوجيا بديلة
الإسلاموية ليست مجرد عودة للدين؛ إنها أيديولوجيا حديثة، بمعنى أنها تُسيّس الدين للاستجابة لمشكلات معاصرة: الظلم الاجتماعي، الفساد، الأزمة الأخلاقية، الهيمنة الأجنبية. وقد قدم سيد قطب، أحد أبرز منظريها، رؤية شاملة للمجتمع الإسلامي كبديل للأيديولوجيات الغربية (معالم في الطريق، 1964).
