ظاهرة اصطفاف الشمس بمعبد الكرنك: عبقرية فلكية ومعمارية للمصريين القدماء
جاري التحميل...

ظاهرة اصطفاف الشمس بمعبد الكرنك: عبقرية فلكية ومعمارية للمصريين القدماء

تزامنًا مع يوم الانقلاب الشتوي.. ظاهرة اصطفاف الشمس بمعبد الكرنك
تشهد معابد الكرنك بمحافظة الأقصر سنويًا إحدى أبرز الظواهر الفلكية المعمارية في العالم القديم، والتي تُعرف خطأً باسم التعامد، بينما التسمية الصحيحة هي اصطفاف الشمس بمعبد الكرنك.
تتزامن هذه الظاهرة مع يوم الانقلاب الشتوي، حيث تصطف أشعة الشمس بدقة مع المحور الطولي للمعبد، في مشهد بصري فريد يعكس مستوى متقدمًا من المعرفة الفلكية والهندسية لدى المصريين القدماء، ويؤكد أن تخطيط هذا الصرح لم يكن وليد المصادفة، بل هو نتاج رصد طويل ودقيق لحركة الشمس الظاهرية على مدار العام.
وقالت الجمعية الفلكية بجدة، عبر حسابها على فيسبوك، إنه مع شروق شمس يوم الانقلاب الشتوي تكون الشمس منخفضة نسبيًا فوق الأفق الشرقي، وتتحرك أشعتها بزاوية أفقية تقريبًا.
وفي هذا التوقيت المدروس بعناية، تدخل الأشعة من المدخل الشرقي لمجمع معابد الكرنك لتصطف مع المحور الطولي الرئيسي، وتخترق الممرات الداخلية وصولًا إلى نقاط محددة داخل المعبد، وهي مواقع ذات دلالة دينية ورمزية، وهذا يوضح أن ما يحدث هو اصطفاف شمسي محسوب مرتبط بحدث فلكي موسمي، وليس تعامدًا هندسيًا لأشعة الشمس.
ومن الناحية الفيزيائية والهندسية، التعامد الحقيقي لا يحدث إلا عندما تسقط أشعة الشمس بزاوية 90 درجة تقريبًا، أي عندما تكون الشمس في كبد السماء، كما يحدث في حالات أخرى مثل الكعبة المشرفة.
أما في معبد الكرنك فتكون الشمس قريبة من الأفق، والأشعة مائلة وأفقية الاتجاه، مما يجعل التوصيف العلمي الأدق للظاهرة هو اصطفاف شمسي مرتبط بالانقلاب الشتوي.
ظاهرة اصطفاف الشمس بمعبد الكرنك
تكشف هذه الظاهرة عن دقة التخطيط المعماري الذي اعتمد على معرفة متقدمة بحركة الشمس السنوية وإدراك واضح لمواعيد الانقلابات الشمسية، فقد جرى توجيه المحور الرئيسي للمعبد ليتوافق مع موضع شروق الشمس في هذا اليوم تحديدًا، في دليل واضح على دمج علم الفلك بالعمارة والعقيدة في آن واحد.
ولم يكن هذا الاصطفاف مجرد مشهد ضوئي عابر، بل كان يحمل دلالات رمزية ودينية عميقة لدى المصريين القدماء، إذ ارتبط بتجديد الدورة السنوية للشمس وبدورات الزمن، كما عكس ارتباط الشمس بمفاهيم الخلق والنظام الكوني، وعزز مكانة الإله آمون بوصفه رمزًا للضياء والحياة والاستمرارية.
ورغم شيوع استخدام مصطلحات غير دقيقة في التناول الإعلامي لهذه الظاهرة، فإن اعتماد تسمية اصطفاف الشمس بمعبد الكرنك يمنح الحدث توصيفًا علميًا صحيحًا ولغويًا واضحًا وجذابًا ويسهم في رفع مستوى الوعي العلمي لدى الجمهور دون أن ينتقص من القيمة الحضارية والجمالية للمشهد.
وتظل ظاهرة اصطفاف الشمس بمعبد الكرنك شاهدة حية على عبقرية المصريين القدماء في فهم حركة السماء وتسخيرها ضمن صروح معمارية خالدة لا تزال حتى اليوم تثير الإعجاب، وتؤكد أن العلم والفن كانا ركنين أساسيين في بناء حضارة سبقت عصرها بآلاف السنين.
