بعد إقصائها إثر ثلاث مباريات، غادرت تونس كأس العالم 2026 بهزيمة أخيرة أمام هولندا (1-3). لكن أبعد من ذلك، تروي هذه المسابقة قصة أعمق: قصة فريق يواجه حدوده، ومنظمة مدعوة للتعلم، وبلد يجد صعوبة أحيانًا في النظر إلى الفشل دون إدانة نفسه. التحدي الأكبر الذي ينتظر تونس اليوم: تحويل جراحها إلى خبرة، وإحباطاتها إلى بصيرة، وإخفاقاتها إلى نجاحات مستقبلية. (صورة: على غرار لاعبي المنتخب التونسي بعد المباريات، يشعر المشجعون بالحيرة والإحباط. كيف وصلنا إلى هذا المستوى المتدني؟).
منال العبوشي *

هناك لحظات يتوقف فيها المنتخب الوطني عن كونه مجرد فريق كرة قدم. يصبح مرآة تنظر فيها الأمة إلى نقاط قوتها وضعفها وآمالها، وكذلك إلى الطريقة التي تتحدث بها مع نفسها.
لقد روت مباريات تونس الثلاث أكثر بكثير من مجرد مسار رياضي بسيط. الهزيمة الثقيلة أمام السويد (1-5) خلقت صدمة في البداية. ثم حولتها الهزيمة أمام اليابان (0-4) إلى جرح. أما أمام هولندا، ورغم هزيمة جديدة (1-3)، كان هناك شيء مختلف. سجل الفريق هدفًا، وأتيحت له فرص، وأظهر التزامًا أكبر، على الرغم من السيطرة الهولندية الواضحة جدًا (70% استحواذ على الكرة).
هذا الاستنتاج لا يعكس نقصًا في الإرادة. بل يكشف بشكل خاص الفجوة بين منظمتين لم تستفيدا من نفس الاستمرارية، ولا من نفس جودة التكوين، ولا من نفس الاستثمار الاستراتيجي.
يمكن لأي نظام أن يكون فعالاً في بيئته المعتادة، بينما يكتشف حدوده عندما يغير بيئته.
تمتلك تونس صفات حقيقية: المرونة، الالتزام، الانضباط الجماعي. وقد سمحت لها هذه الموارد بالتأهل لعدة مرات لكأس العالم. لكن مثل هذه المسابقة تواجه الفريق بسرعة مختلفة، وكثافة أخرى، ومتطلبات أخرى. ما كان كافيًا بالأمس لم يعد كافيًا اليوم.
ومع ذلك، فإن ما يثير اهتمامي أكثر ليس مستوى اللعب. بل هو طريقتنا في التعامل مع الهزيمة.
الانقسام: بين الفخر والتقليل من الشأن
منذ استقلالها، تحمل تونس توترًا هوياتيًا فريدًا: بلد صغير بحجمه، عظيم بتاريخه وثقافته وطموحاته. هذا التناقض يغذي تذبذبًا دائمًا بين الفخر والشك.
عندما نفوز، نكتشف أننا قادرون على التنافس مع أكبر الأمم. وعندما نخسر، نشعر أحيانًا أن كل شيء يحتاج إلى إعادة بناء، وكأن هزيمة رياضية تؤكد نقصًا أعمق.
هذا الأداء النفسي له اسم: الانقسام. كل شيء يصبح إما ممتازًا أو رديئًا، بطلاً أو مذنبًا، نجاحًا أو إهانة. ومع ذلك، لا ينمو البشر ولا المنظمات في الأطراف المتطرفة.
ما يؤثر فيّ أكثر منذ بداية كأس العالم هذه، هو بعض ردود فعل التونسيين تجاه فريقهم. نحن نحب بلدنا بعمق، لكننا نعرف أيضًا كيف نتحدث مع بعضنا البعض بقسوة غير عادية. كما هو الحال في بعض العائلات، كلما كان الحب أقوى، أصبحت خيبة الأمل أكثر عنفًا.
كرة القدم تتحدث عن جراحنا
هنا، كرة القدم ليست مجرد كرة قدم أبدًا. إنها تصبح وعاءً لإحباطات أخرى: الصعوبات الاقتصادية، الشعور بالظلم، عدم الثقة في المؤسسات، الإرهاق اليومي.
نعتقد أننا نعلق على مباراة. لكننا، غالبًا، نتحدث عن علاقتنا بأنفسنا.
المنتخب الوطني هو في الوقت نفسه نظام رياضي ونفسي واجتماعي وثقافي. إنه يحمل تاريخًا وذاكرة ومخيلة جماعية.
لهذا السبب، تعمل كأس العالم كتدقيق حقيقي مفتوح. إنها لا تكشف عن القيمة الجوهرية للفريق بقدر ما تكشف عن كيفية تفاعل النظام عندما يواجه حدوده الخاصة. هل يبحث عن مذنب؟ هل ينتظر منقذًا؟ أم يقبل بتحويل الفشل إلى تعلم؟






