استعاد الحزب الديمقراطي السيطرة على الكونغرس الأمريكي بمجلسيه، الشيوخ والنواب، في توبيخ شعبي شامل على مستوى البلاد للرئيس دونالد ترامب، وهو هزيمة قاسية وغير مألوفة لحزب الرئيس، ويُتوقع أن يؤدي هذا التحول السياسي إلى عرقلة أجندته السياسية وإبطاء تحركاته خلال العامين الأخيرين من ولايته الرئاسية. وحقّق الحزب الديمقراطي هذه السيطرة الكاملة على الكونغرس لأول مرة منذ عام 2023، وذلك بعد نجاحه في انتزاع الأغلبية إثر تحقيقه انتصارات بارزة في ولايات تُعتبر معاقل تقليدية للحزب الجمهوري.
وسيكون شكل الكونغرس الذي سيجتمع في أوائل شهر كانون الثاني/يناير المقبل مختلفاً بشكل جذري عن النصف الأول من الولاية الرئاسية الثانية لترامب، والتي شهدت سيطرة الجمهوريين على غرفتي البرلمان.
وشهدت هذه الانتخابات التي جرت يوم الثلاثاء سلسلة من الأسبقيات التاريخية غير المسبوقة؛ إذ فازت أول امرأة سوداء بمنصب حاكم ولاية، وأول سناتور يعلن صراحة عن مثليته، وأول سناتور مسلم، إضافة إلى أول امرأة من السكان الأصليين تتولى منصب حاكم ولاية. وفي ولاية ميشيغان، استطاع المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد تحقيق فوز هام على منافسه الجمهوري مايك روجرز، بينما فاز الديمقراطي تروي جاكسون على الجمهورية سوزان كولينز في ولاية مين، ليحسما مقعدين في مجلس الشيوخ شهدا متابعة إعلامية مكثفة. أما في ولاية تكساس، فقد نجحت المرشحة الديمقراطية جينا هينوخوسا في هزيمة حاكم الولاية الجمهوري غريغ أبوت، مما أنهى هيمنة الجمهوريين على مقعد الحاكمية والتي استمرت لأكثر من ثلاثين عاماً، في حين فاز المشرع الديمقراطي جيمس تالاريكو بسباق مجلس الشيوخ الأمريكي عن الولاية. وفي ولاية كانساس، أصبح آدم هاملتون أول سيناتور ديمقراطي يُنتخب في الولاية منذ قرابة قرن من الزمان، بينما شهدت الانتخابات وصول عدد قياسي من المرشحين المدعومين من منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين إلى مجلس النواب، مما عزز حضور هذه الحركة السياسية في كابيتول هيل، ودخلت تسع ولايات التاريخ عبر خياراتها الجديدة لحكام الولايات، محققين انتصارات بارزة عززت مكاسب الحزب الديمقراطي بشكل لافت.
وتمنح هذه المكاسب الكاسحة التي حققها الديمقراطيون المعارضة نفوذًا وصلاحيات واسعة لعرقلة التشريعات الرئيسية التي يسعى ترامب لتمريرها، وفتح تحقيقات موسعة في إدارة ترامب وممارساتها، فضلاً عن الاعتراض على تعييناته القضائية وكبار المسؤولين في الحكومة.
وعلى الرغم من أن الديمقراطيين سيحظون بنفوذ أكبر لمساءلة سياسات ترامب وعرقلة أي تشريعات يعارضونها، إلا أن هناك العديد من الملفات التي لا يزال بإمكان الرئيس تنفيذها دون الحاجة إلى موافقة الكونغرس.
وفيما يلي نظرة على بعض القضايا السياسية الملحة وكيف قد تؤثر الأغلبية الديمقراطية في غرفتي الكونغرس عليها:
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران
أقر الرئيس ترامب بالدور الذي لعبته الحرب على إيران في الخسائر التي تكبدها الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية. وقال ترامب خلال مقابلة هاتفية مع قناة فوكس نيوز: "أعتقد أن جزءاً من ذلك كان بسبب إيران، ولكن في الوقت نفسه، فهم الناس أهمية ما فعلته مع إيران". وفي المقابل، ألقى ترامب اللوم على عدد من المرشحين الجمهوريين بسبب خسائرهم في هذه الانتخابات، بينما يترقب المراقبون تداعيات هذه التحولات الكبرى.
وكان شعور الإحباط لدى الناخبين بشأن التضخم وارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية والرسوم الجمركية المشددة من بين العوامل الرئيسية خلف رفضهم للسياسات الجمهورية، حيث استغل الديمقراطيون هذه النقطة عبر التركيز في حملاتهم الانتخابية على القدرة على تحمل تكاليف المعيشة والإنفاق المحلي، وتسببت المواجهة الجارية في قفزات كبيرة بأسعار الوقود وزادت من حدة الاستياء الشعبي تجاه رئيس يعاني بالفعل من انخفاض حاد في معدلات شعبيته.
وكان ترامب قد بدأ الحرب على إيران بالتحالف مع إسرائيل في شهر شباط/فبراير الماضي دون تفويض من الكونغرس. ورغم أنه قد يستمر في إصدار أوامر شن هجمات عسكرية، إلا أنه قد يواجه قيوداً متزايدة من الكونغرس الجديد؛ إذ يمكن للمشرعين استخدام صلاحياتهم لرفض تخصيص تمويل إضافي عندما ينتهي العمل بقرار تمويل الحكومة الحالي في الحادي عشر من كانون الأول/ديسمبر، مما يفرض قيداً ميزانياتياً حاسماً على القرارات العسكرية لترامب.
مع ذلك، أشار جيمس بويز، الباحث المساعد في مركز السياسات الأمريكية بجامعة لندن، إلى أنه في الوقت الذي قد ترغب فيه الأغلبية البرلمانية في قطع التمويل، فإن ذلك قد لا يكون بالأمر السهل. وأوضح قائلاً: "مع وجود القوات في ساحة المعركة، سيثبت أن هذا الأمر محفوف بمشاكل جمة وسيعتبر تعريضاً لحياة الجنود الأمريكيين للخطر".
كما يرى المحللون أن قرار سلطات الحرب من مستبعد أن ينجح في كبح جماح ترامب، نظراً لأن المحاولات السابقة لتفعيل هذا القانون الفدرالي الصادر عام 1973 قد باءت بالفشل أو أصبحت غير فعالة.
وينص قانون سلطات الحرب على أن بإمكان الرئيس صد هجوم وشيك، ولكن يجب أن تنتهي العمليات العسكرية في غضون ستينيوماً ما لم يعلن الكونغرس الحرب رسمياً. ويمكن للرئيس بعد ذلك استخدام حق النقض (الفيتو)، والذي لا يمكن تجاوزه إلا بأغلبية الثلثين في كل من مجلسي النواب والشيوخ.
وتشير التوقعات الخاصة بتوزيع المقاعد في الكونغرس المنتخَب حديثاً إلى أن الديمقراطيين بعيدون عن بلوغ عتبة أغلبية الثلثين المطلوبة لتجاوز الفيتو الرئاسي.
من جانبه، أشار سكوت لوكاس، أستاذ السياسة الدولية في معهد كلينتون بجامعة دبلن في إيرلندا، إلى أنه على الرغم من القيود المفروضة على الكونغرس لعدم حيازته أغلبية الثلثين، إلا أنه يستطيع اقتراح تشريعات عبر "التعاون مع بعض الجمهوريين الذين قد ينأون بأنفسهم عن ترامب" في أعقاب رسالة السخط المدوية التي وجهها الناخبون للرئيس في هذه الانتخابات النصفية.
وضرب مثالاً على ذلك بالقول إن نائب الرئيس، جيمس ديفيد فانس، عارض الحرب وكان موقفه ثابتاً منذ البداية. وفي الأسبوع الماضي، وجه فانس رسالة إلى المسؤول الأمني الإيراني في خطوة أُبلغ عنها بهدف إحياء المفاوضات وتفادي المزيد من الهجمات.
وتساءل لوكاس قائلاً: "هل سيدفع الآن باتجاه إنهاء الحرب بقوة أكبر؟".
إلا أن بويز يرى أن حقيقة عدم اضطرار ترامب لخوض انتخابات أخرى مستقبلاً، نظراً لأن الدستور الأمريكي يلزمه بمغادرة منصبه بنهاية ولايته الثانية، قد تدفع الرئيس بدلاً من ذلك إلى الشعور بأنه "أصبح طليق اليدين ليتصرف بلا عقاب على الساحة الدولية".
وأضاف: "في الواقع، وبالنظر إلى ظروفه السياسية المحلية المضعفة، يمكن للمرء بسهولة تخيل لجوء دونالد ترامب إلى تصعيد سياساته في الشرق الأوسط سعياً لتثبيت إرث رئاسي لا يقبل التشكيك".
الرسوم الجمركية والتجارة الدولية
في العام الماضي، فرض ترامب رسوماً جمركية تراوحت بين 10 بالمئة و50 بالمئة على نحو 90 دولة بهدف تقليص العجز التجاري الأمريكي. ورغم أن هذه الخطوة، التي هزت الأسواق العالمية، أُبطلت بقرار من المحكمة العليا في شهر شباط/فبراير، إلا أن الإدارة الأمريكية وجدت طرقاً التفافية لتجاوز ذلك الحكم.
وفي تحليل لنتائج هذه الانتخابات النصفية التاريخية، يستعرض كل من المقدمين ريغيد أحمد وجوناثان ييروشالمي الأسباب الجذرية وراء الإخفاق الكبير لحزب الجمهوريين، والدافع وراء الإقبال الهائل للناخبين الذي أدى إلى تحقيق "الموجة الزرقاء" التي طالما تنبأ بها الكثيرون.
ولعل المفاجأة الأكبر التي شهدتها ليلة الانتخابات تتمثل في إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قبوله للنتائج وتعهده بالتعاون مع الديمقراطيين. وهنا يبرز التساؤل الملح: هل يفي ترامب بتعهداته حقاً؟ أم أن هذا التحول المفاجئ قد يجعله أكثر خطورة على الخارطة السياسية المقبلة؟
تأتي هذه التطورات لتغير بشكل جذري ميزان القوى في واشنطن، مما يضع الإدارة الحالية أمام تحديات جديدة غير مسبوقة في التعامل مع كونغرس ذي أغلبية ديمقراطية معارضة لسياسات البيت الأبيض السابقة. وتستمر التحليلات السياسية في تقييم التداعيات المحتملة لهذا التحول الكبير على مستقبل السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة خلال العامين الأخيرين من ولاية ترامب.





