رئيسة الجمعية الوطنية، يايل براون-بيفيه، ورئيس الوزراء، سيباستيان ليكورنو، قبل التصويت على حركتي حجب الثقة، في الجمعية الوطنية بباريس، 14 يناير 2026.

كما كان متوقعاً، رفضت الجمعية الوطنية، الأربعاء 14 يناير، حركتي حجب الثقة اللتين نددتا باتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ودول الميركوسور. وقد وصف رئيس الوزراء، سيباستيان ليكورنو، في القاعة، مقدمي الحركتين، وهما التجمع الوطني (RN) وفرنسا الأبية (LFI)، بأنهم قناصون يطلقون النار من الخلف على السلطة التنفيذية، وقد أخطأوا هدفهم في الإطاحة بالحكومة. هذا النصر، وإن كان متوقعاً، لا يحل المعضلة الأساسية التي تواجه الحكومة: كيفية تمرير مشروع قانون المالية لعام 2026 في ظل غياب أغلبية برلمانية مطلقة.

تجد الحكومة نفسها في موقف حرج، حيث أن كل مشروع قانون رئيسي، وخاصة الميزانية، يواجه معارضة شرسة من مختلف الأطياف السياسية. وقد أصبحت المناقشات حول الميزانية ساحة معركة سياسية، حيث تسعى المعارضة إلى إظهار ضعف الحكومة وعدم قدرتها على الحكم بفعالية. وفي هذا السياق، يبرز خياران رئيسيان أمام الحكومة لتجاوز هذا المأزق التشريعي.

الخيار الأول هو اللجوء إلى المراسيم التشريعية (ordonnances)، وهي آلية تسمح للحكومة بإصدار نصوص ذات قوة القانون بعد تفويض من البرلمان. يرى مؤيدو هذا الخيار، بمن فيهم بعض الدوائر في قصر الإليزيه، أنه يمثل حلاً أقل تصادمية من المادة 49.3، حيث يتجنب المواجهة المباشرة في الجمعية الوطنية ويقلل من خطر تقديم حركات حجب ثقة جديدة. ومع ذلك، فإن استخدام المراسيم التشريعية يثير تساؤلات حول الدور التشريعي للبرلمان ويُنظر إليه أحياناً على أنه تجاوز للسلطة التشريعية.

أما الخيار الثاني، والأكثر شيوعاً في مثل هذه الحالات، فهو تفعيل المادة 49.3 من الدستور الفرنسي. هذه المادة تتيح للحكومة تمرير مشروع قانون دون تصويت في الجمعية الوطنية، ما لم يتم تقديم حركة حجب ثقة ضدها وتمريرها. ورغم أن المادة 49.3 توفر ضمانة أكبر لمرور القانون، إلا أنها تحمل تكلفة سياسية باهظة. فهي تُعتبر أداة قسرية وتثير انتقادات واسعة من المعارضة التي تتهم الحكومة بتجاهل الديمقراطية البرلمانية. وقد أدت الاستخدامات المتكررة لهذه المادة في الماضي إلى توترات سياسية كبيرة وتظاهرات شعبية.

الجدل الدائر حول أي من هاتين الآليتين يجب أن تستخدمه الحكومة يعكس عمق الأزمة السياسية. فبينما يفضل البعض المراسيم التشريعية لتجنب المزيد من الاستقطاب، يرى آخرون أن المادة 49.3 هي الأداة الوحيدة المضمونة لضمان إقرار الميزانية في الوقت المحدد. رئيس الوزراء، سيباستيان ليكورنو، يدرك تماماً حساسية الموقف، حيث أن أي خطوة خاطئة قد تزيد من زعزعة استقرار حكومته الهشة.

في النهاية، يبقى مصير مشروع قانون المالية لعام 2026 معلقاً على قرار الحكومة بشأن الأداة التشريعية التي ستختارها. هذا القرار لن يؤثر فقط على الاقتصاد الفرنسي، بل سيحدد أيضاً مدى قدرة حكومة ليكورنو على المضي قدماً في أجندتها الإصلاحية في ظل بيئة سياسية معقدة ومقسمة. التحدي كبير، والأنظار كلها تتجه نحو الإليزيه وماتينيون لترقب الخطوة التالية.